من قلب أم درمان.. منبر دار الريح (مدار) يؤبن فقيد الأمة والوطن الخليفة ابن عمر محمد أحمد عبدالهادي: علم على رأسه نار، تحول من النحت في الصخر إلى فارس كردفان والوطن
من قاعة المجلس الثقافي بأم درمان.. تأبين ابن عمر يكشف الأسرار: مثل السودان ملحقاً ثقافياً في إيران، وخطة غزو السودان بالمرتزقة بدأت من شارع عبداللطيف بالخرطوم، ومدارس الأقمار كانت مشروعه
أم درمان:
شهدت قاعة المجلس الثقافي بأم درمان،اليوم السبت ، يوماً تاريخياً مشهوداً؛ حيث التأم أهل الفكر والسياسة والدبلوماسية والعلماء وزعماء الإدارة الأهلية في تأبين مهيب نظمه منبر دار الريح (مدار) لفقيد الأمة والوطن الخليفة ابن عمر محمد أحمد عبدالهادي تابرية، الذي رحل وترك فراغاً لا يُسد، كما أجمع المتحدثون.
وجاء التأبين في تاريخ له رمزيته، فهو يصادف مرور 62 عاماً على ثورة 21 أكتوبر 1964، وهو التاريخ الذي انطلقت منه ظاهرة ابن عمر نفسها، كما كشف المتحدثون.
1- الناظر محمد أحمد تمساح – نائب رئيس منبر دار الريح:
افتتح التأبين نائب رئيس المنبر الناظر محمد أحمد تمساح بكلمة ضافية أكد فيها أن الراحل لم تنحصر عبقريته وعطاؤه في نطاق جغرافي ضيق، بل كان الرجل مقامه أمة.
وكشف تمساح أن الفقيد قدم خدمات جليلة للسودان في العمل الدبلوماسي والثقافي، حيث مثل بلاده ملحقاً ثقافياً سودانياً في جمهورية إيران الإسلامية ناقلاً الصورة المشرقة للإنسان السوداني، وعمل خبيراً تربوياً، وعُرف بالشجاعة الصادعة في مواقف الحق حاملاً الهم السوداني بأكمله ثابتاً كجبال الرواسي.
وأعلن باسم جميع قيادات وأعضاء المنبر أن رحيل ابن عمر ترك فراغاً لا يسده إلا السير على نهجه، متعهداً بأن منبر دار الريح سيظل مرفوع الراية مواصلاً المسيرة التنموية التي خطها الراحل بيده، حتى يرى غرسه قد أثمر في كل مدينة وقرية وفريق من دار الريح، التي كان يحلم أن يراها عامرة مستعدة لما بعد الحرب بخطط تنموية رائدة.
وختم داعياً أن يجعله الله في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب.
2- السفير إبراهيم القباشي – كلمة العقل الاستراتيجي – 5 محاور:
قدم السفير إبراهيم الكباشي مرافعة تاريخية سياسية استراتيجية استمرت خمسة أجزاء، اعتبرها المراقبون وثيقة تاريخية.
وقال إن ظاهرة ابن عمر ظهرت في 1972 خلال ما عُرف بـ ثورة شعبان التي كانت محاولة لإعادة إنتاج ثورة أكتوبر 64 بعد 8 سنوات فقط، وكان ابن عمر بصحبة كوكبة من مجايليه، منهم: أحمد عثمان، وحافظ الشيخ الذاكي، وحافظ جمعة سهل (الخطيب المفوه الذي كنت أرى فيه رئيساً للسودان).
وعرّف الثورة بأنها حشد بشري انفعالي لحظي، يعني لحظة انتحار نظام سياسي اجتماعي عندما يفشل جسد الدولة في التعرف على خلاياه، وأن الفيروس الصغير القاتل يفتك بجسم انعدمت فيه المناعة القيمية والمجتمعية والسياسية. وخلص إلى أن حصيلة 62 سنة من الثورات في السودان تراوحت بين حرية بلا دولة أو دولة بلا حرية، وأن القيادة الثورية حالة انفعالية قابلة للاختطاف من أي كيان منظم.
وانتقل للكشف الأخطر مؤكداً أن صناعة الحالة الراهنة التي يعيشها السودان أجنبية بالكلية، وأن الهدف الاستراتيجي للغرب -وعلى رأسه إسرائيل- خلال 40 سنة وبالتحديد منذ 1983 هو إعادة استعمار السودان، وبدأ عملياً بمنفستو حركة تحرير السودان 1983 الذي ترجمه فاتح التجاني والذي يفصل خطوة بخطوة ما يحدث الآن.
وكشف الكباشي أن التدابير الفعلية لغزو السودان بالمرتزقة وُضعت في 2003 و2004 و2005، وموثقة من صفحة 412 إلى 428 في كتاب أمريكي كتبه أحد أعضاء جمعية السياسة الخارجية الأمريكية التي تصنع السياسة الخارجية، وأن الفكرة لم تكن طارئة بل بدأت من شارع عبداللطيف في الخرطوم على يد أحد المديرين الثلاثة لإحدى الشركات عندما انتقل لواشنطن، ونوقشت بكثافة حتى تفاصيل التعامل مع الدفاع الجوي السوداني والجنجويد نسخة 2003.
وقال إن السودان يملك 60% من شعبه شباب وأنشأ 130 جامعة تضخ 500 ألف خريج سنوياً يحملون 300 تخصص علمي يتخرجون في سن 22-23 ثم يتعطلون 10 سنوات وهم موصولون بالعالم عبر هاتف ذكي تعطيه الأسرة، مما خلق الحالة الانفعالية التي استُغلت.
3- الدكتور الكباشي البكري – نجل الشيخ الجيلي الكباشي:
قال الدكتور الكباشي البكري إن فقد ابن عمر هو فقد الأمة الإسلامية والسودانية، وفقد كردفان الكبرى، وفقد دار الريح بكل قبائلها وبيوتها وشجرها ومدرها؛ تفتقده كردفان كلها، يفتقده الجوز والطلح ووادي أبو الحوت وجبل الحلال.
وكشف أنه عايش الراحل في مطلع الثمانينات وهو يزور والده وصديقه الشيخ الفكي الشيخ الجيلي الكباشي في داره، وأن تزاورهما لم يكن مجاملة بروتوكولية، بل تجسيداً حياً للمحبة الصادقة والصفاء الروحي، وكان يقضي الأيام والليالي في بشاشة وعشرة قلّ أن تتكرر في هذا العصر المادي. ووصفه بأنه شخصية كاريزما متفردة ليست عادية، تركت دروساً بصرية وعملية لا تسع الجامعات تقديمها.
4- شهادة زميل الجامعة – مشروع مدارس الأقمار:
في شهادة مؤثرة، كشف أحد زملاء الراحل في الجامعة أنهم كانوا في نفس القاعة ونفس المكان قبل شهر بالضبط في 24 سبتمبر يتلقون العزاء في فقيد من أسرة ابن عمر وكانت دار ابن عمر في القاهرة هي دار العزاء، واليوم في 24 أكتوبر وفي نفس المكان يتلقون العزاء في ابن عمر نفسه.
ووصفه بأنه فارس ليس بالشدة ولا بالصرعة، وإنما فارس بزوايا عديدة، وبدوي ريفي حضري متمدن حمل نفسه من بابنوسة البعيدة غير المذكورة، وكالنحت من الصخر حتى صار علماً على رأسه نار، وكحقل من الورود والزهور المنورة تشيل من هنا وتشيل من هنا وما بتخلي شيء.
وكشف عن مشروعه التعليمي الرائد المنظمة الوطنية للتعليم وفكرة مدارس الأقمار للقرى الصغيرة التي لا تملك مدارس حتى لا يمشي الأطفال ليلاً وصباحاً للقرى الكبيرة، فاتفق مع سلطة التعليم على إنشاء مدارس أقمار لأولى وتانية وتالتة ثم ينتقلون للمدارس الكبيرة، مشيراً إلى أن زميلهم محمد الفاضل استشهد في الطريق وهو ذاهب لافتتاح أحد تلك الفصول.
ولخص فلسفة ابن عمر في ثلاث كلمات: فهمه للدين، وتحويله فهم الدين إلى مشروع لحزامه دار الريح كفرض عين، وبهذا الفهم كيف ننظر لماهية السياسة.















