ممثل الأحزاب السياسية: تجارب الحوار السابقة خدمت النخب على حساب المواطنين.. والمرأة والشباب يستحقون فرصاً بعيداً عن المحسوبية

إبراهيم الأمين يطالب بإبعاد النخب القديمة وإعادة تأسيس الأحزاب.. ويدعو إلى ميثاق وطني وحكم فيدرالي بصلاحيات واسعة للأقاليم

رصد: انتصار فضل الله

دعا ممثل الأحزاب السياسية، البروفيسور إبراهيم الأمين، إلى مراجعة شاملة وفورية للعمل السياسي في السودان، وفي مقدمته الأحزاب والكيانات والتنظيمات السياسية، وإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات، بعيداً عن المحاصصات والوساطات والمحسوبية، محذراً من إعادة إنتاج التجارب والنخب القديمة التي قال إنها أسهمت في إخفاقات البلاد.

وأكد الأمين، خلال مخاطبته ورشة إصلاح قانون الأحزاب السياسية لسنة 2007، التي انعقدت اليوم السبت بالفندق الكبير تحت شعار «إصلاح قانون 2007 خطوة استراتيجية نحو تمكين العمل الحزبي»، وتختتم أعمالها غداً الأحد الأول من نوفمبر، أن مناقشة مستقبل الأحزاب تمثل ضرورة سياسية، وتوفر فرصة للمبادرات والمشاركة الواسعة في جهود الإصلاح، بما يتيح للقيادات وسكان الريف والفئات المختلفة الإسهام في تحديد مستقبل العمل الحزبي.

وقال إن البدء في أي مشروع سياسي جديد يستوجب مراجعة المراحل السابقة والوقوف على ما شهدته من إخفاقات، مشدداً على أن السودان يحتاج إلى عمل كبير يرتقي إلى مستوى التحديات التي تواجهه، ولا يعيد إنتاج التجارب التي لم تحقق النتائج المطلوبة.

وأشار إلى أن البلاد كانت تمتلك في مراحل سابقة مؤسسات ومشروعات وطنية كبيرة، مستشهداً بوجود ثلاثة أحزاب سياسية ومشروع الجزيرة وسكة حديد السودان، معتبراً أن تراجع هذه المؤسسات واختفاء بعضها جاء نتيجة أخطاء متراكمة، الأمر الذي يستدعي استخلاص الدروس وإعادة بناء المؤسسات على أسس صحيحة.

النخب السياسية وأزمة الممارسة

وانتقد الأمين عدم مواكبة اللغة والممارسة السياسية للتطورات التي شهدتها البلاد في مجالات ومؤسسات أخرى، قائلاً إن التطور الذي حدث في عدد من المرافق لم ينعكس على أداء النخب والأحزاب، التي ظلت منشغلة بمصالحها الخاصة، ودخلت في تحالفات إقليمية ودولية، بينما يسعى كل حزب وكل مجموعة سياسية إلى تثبيت وجودها.

وحذر من حالة التشظي والانقسامات داخل الأحزاب، داعياً إلى تجاوز الحسابات الضيقة والتفكير بصورة مستقبلية تضع مصالح السودان والمواطنين في مقدمة الأولويات.

وتطرق إلى دراسة للبروفيسور البطحاني أُعدت قبل انفصال جنوب السودان، تناولت طبيعة المجتمع السوداني وتوزيع القوة والنفوذ بين مكوناته، مشيراً إلى تمركز النخب السياسية في وسط البلاد، وما ارتبط بذلك من اختلالات في العلاقة بين المركز والأطراف، معتبراً أن معالجة هذه الاختلالات تمثل جزءاً أساسياً من أي مشروع لإعادة بناء الدولة.

وقال إن القرار المتعلق بمصير السودان ظل في أيدي مجموعات ونخب أصبحت مصالحها، وفق تعبيره، أكثر حضوراً من مصالح البلاد، مشيراً إلى أن أغلب هذه النخب تنتمي إلى الوسط، وداعياً إلى الاعتراف بضرورة تغيير هذا الواقع وعدم إعادة إنتاجه.

جيل جديد ومعايير لاختيار القيادات

وشدد الأمين على ضرورة إفساح المجال أمام الأجيال الجديدة، وعدم العودة إلى القيادات والتجارب القديمة التي قال إنها كانت سبباً في الفشل، مطالباً بوضع معايير واضحة لاختيار من يتصدرون المشهد السياسي، تقوم على الكفاءة والتعليم والقدرة على تحمل المسؤولية.

وتساءل عن المعايير التي تمنح بعض السياسيين موقع القيادة، وعن مؤهلاتهم وكفاءتهم التي تبرر وجودهم في قمة العمل السياسي، مؤكداً أن التعليم يمثل أساساً مهماً في بناء الدولة، وأن السياسة السودانية ظلت محصلة لتراكمات من الإخفاقات والانتقادات.

واستشهد بدراسة البروفيسور البطحاني في قراءته لطبيعة النخب السياسية، مشيراً إلى أن بعض هذه النخب تسعى إلى التحكم في الماضي والحاضر والمستقبل، بدلاً من فتح المجال أمام تحولات سياسية تستجيب لمتطلبات الأجيال الجديدة.
وأوضح أن الهدف من هذه المراجعات ليس أن تتولى جهة بعينها محاسبة الآخرين، وإنما وضع الأسس التي تساعد السودان على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة سياسية جديدة، تقوم على المشاركة والتوافق الوطني.

حوار مفتوح وميثاق ملزم

ودعا ممثل الأحزاب السياسية إلى إطلاق حوار سوداني مفتوح يشارك فيه الجميع، منتقداً تجارب الحوارات السابقة التي قال إن نتائجها جاءت في مصلحة النخب، بمن فيهم مرتكبو الجرائم، على حساب المواطنين.

وأكد أن الحوار المقبل ينبغي ألا يكون مدخلاً لتقاسم المناصب أو الوصول إلى السلطة، وإنما فرصة للتوافق على مشروع وطني واضح، وتحديد مواصفات القيادات وبرامجها قبل الانتقال إلى مناقشة ترتيبات المشاركة السياسية.

وأوضح أن الحوار يجب أن يمر بمرحلتين؛ تبدأ الأولى بإتاحة الفرصة أمام كل مواطن للتعبير عن رأيه والمشاركة في الوصول إلى اتفاق وطني، يُترجم في صورة ميثاق ملزم، فيما تتناول المرحلة الثانية قضايا المشاركة السياسية وترتيباتها.

وشدد على أهمية توفير أرضية مشتركة تجمع الأحزاب والتنظيمات السياسية كافة، بعيداً عن الوساطات والمحسوبية، مع التعامل مع المرحلة المقبلة بدرجة عالية من التسامح، وتقديم الشخص المناسب للموقع المناسب، على أساس الكفاءة والقدرة على أداء الدور المطلوب.

الفيدرالية وإعادة توزيع السلطة

وفي سياق رؤيته لمستقبل الدولة، طرح الأمين الفيدرالية باعتبارها مدخلاً لمعالجة مشكلات السودان، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، بما يضمن توزيعاً أوسع للسلطة والصلاحيات والموارد.

ودعا إلى تأسيس نظام سوداني يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة، وينهي التدخل المركزي في الأراضي والموارد والمشروعات الولائية، مؤكداً ضرورة أن تتم أي مشروعات تُقام داخل الإقليم بموافقة حكومته ومشاركتها، مع تخصيص جزء من عائداتها للتنمية في الإقليم المعني.

كما طالب بمنح المسؤولين الولائيين سلطات فعلية في إدارة شؤون ولاياتهم، مشيراً إلى ضرورة أن تكون لوزير الزراعة في الإقليم صلاحيات تتقدم على سلطة الوزير المركزي في ما يتعلق بإدارة الاختصاصات الزراعية داخل الولاية.

واعتبر أن معالجة الاختلالات بين المركز والأقاليم لا تنفصل عن بناء دولة جديدة تتيح المشاركة العادلة في اتخاذ القرار والاستفادة من الموارد.

تمكين المرأة والشباب

وفي ما يتعلق بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، دعا الأمين إلى إجراء غربلة للقيادات وإتاحة الفرص أمام أصحاب الكفاءة بعيداً عن الوساطات والمحسوبية، مشدداً على ضرورة منح المرأة والشباب فرصاً حقيقية في العمل السياسي والعام.

وقال إن المرأة السودانية أثبتت جدارتها وقدرتها على التفوق في مختلف المجالات، مستشهداً بدورها في رعاية الأبناء والمشاركة في الحياة العامة ومختلف ميادين العمل، داعياً إلى الاستفادة من قدراتها وإتاحة المجال أمامها للمشاركة في صناعة القرار السياسي.

كما أكد أن الباب ينبغي أن يكون مفتوحاً أمام الشباب السوداني، وأن تكون المفاضلة بينهم على أساس ما يقدمونه من عطاء وكفاءة، وليس عبر العلاقات الشخصية أو المحسوبية والوساطات.

رسائل إلى القوات المسلحة

ووجه الأمين رسائل إلى القوات المسلحة، قائلاً إنها أثبتت موقفها الوطني بوقوفها ضد ما وصفه بمحاولات تخريب البلاد ومحو السودان من الخارطة السياسية، معتبراً أنها تمثل ركيزة في المرحلة الراهنة.
ودعا إلى تجاوز مرحلة المجموعات والتكتلات الضيقة، والعمل على بناء نظام وطني يستوعب تطلعات السودانيين،

مشيراً إلى ضرورة مواكبة مستقبل القوات المسلحة للتطورات التي تشهدها، وإعادة النظر في بنيتها وحجمها، إلى جانب إعادة التدريب العسكري للشباب في مختلف أنحاء البلاد، مع إعداد ترتيبات مناسبة على مستوى كل ولاية.

إعادة بناء الأحزاب من القاعدة

وفي ختام حديثه عن مستقبل العمل الحزبي، حذر الأمين من العودة إلى الماضي بكل تجاربه ومحاولة استنساخها، معتبراً أن ذلك سيقود إلى نتائج سلبية، ودعا إلى البدء من أسفل إلى أعلى في بناء الأحزاب، من خلال تكوين التنظيمات على مستوى الأحياء والأقاليم، وتوسيع قاعدة المشاركة قبل الانتقال إلى المستويات القيادية.

وشدد مجدداً على ضرورة منح الشباب والمرأة فرصاً أكبر داخل التنظيمات السياسية، وإقامة العمل الحزبي على البرامج والكفاءة والمشاركة، بما يتيح ظهور قيادات جديدة قادرة على التعامل مع قضايا السودان وتحديات مرحلة ما بعد الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار ذات صلة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist