في مجلس الأمن، قد يكون القرار الذي يتعذر صدوره أكثر دلالة من القرار الذي يُعتمد. فالنصوص التي تتوقف عند أبواب التصويت تكشف أحياناً عن موازين القوى الدولية، وحدود النفوذ، وطبيعة الصراع على تعريف الشرعية، أكثر مما تكشفه البيانات الرسمية. ومن هذه الزاوية، يستحق تعثر المشروع الأمريكي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان قراءة تتجاوز النتيجة الدبلوماسية المباشرة، إلى السؤال الأعمق: ما الذي أرادت واشنطن تحقيقه من توسيع الحظر، ولماذا اصطدمت محاولتها باعتراضات داخل مجلس الأمن؟
الخبر الذي أوردته صحيفة «ذا هيل» الأمريكية في السابع من أكتوبر، بشأن تجميد إدارة الرئيس دونالد ترامب مشروعها، والاتجاه نحو تمديد فني قصير الأجل للعقوبات القائمة على دارفور بموجب القرار 1591، يكشف أن واشنطن اصطدمت بحدود قدرتها على تحويل رؤيتها للأزمة السودانية إلى إرادة دولية ملزمة. فقد واجه المشروع اعتراضات من روسيا والصين وباكستان والدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في المجلس، وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال، وإن تباينت مواقف هذه الدول من تفاصيل النص المقترح. وقد تجاوز الخلاف النطاق الجغرافي للحظر إلى مسائل تتعلق بفاعلية العقوبات، وحدود التدخل الدولي، وآثار التدابير المقترحة على الدولة السودانية ومؤسساتها.
هنا تقع إحدى العقد السياسية والقانونية للمشروع الأمريكي. فالقوات المسلحة السودانية، بصرف النظر عن الجدل المتعلق بالترتيبات الدستورية والسلطة السياسية القائمة، تظل المؤسسة العسكرية النظامية للدولة السودانية. وهذه حقيقة مؤسسية ينبغي التمييز بينها وبين مسألة الشرعية السياسية للحكم. وعندما تقول الخارجية الأمريكية إن القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع لا يمثلان حكماً شرعياً ودستورياً للسودان، فإنها تطرح حكماً سياسياً على السلطة، ينبغي النظر إليه في سياقه المستقل عن الأحكام القانونية المقترحة بشأن توريد السلاح. غير أن تزامن الموقفين يثير تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة المقاربة الأمريكية للدولة السودانية ومؤسساتها. فصفة القوات المسلحة كمؤسسة نظامية للدولة لا تمنع مجلس الأمن من فرض قيود على توريد السلاح إليها، كما أن فرض تلك القيود لا ينفي بذاته صفتها المؤسسية. وتبقى المسألة مرتبطة بمدى تناسب التدابير المقترحة وفاعليتها، وانعكاساتها على قدرة الدولة على حماية أراضيها وسكانها، وعلى موازين الصراع ومستقبله. وتتوقف هذه الآثار أيضاً على صياغة الاستثناءات وآليات الترخيص والإنفاذ. فمجلس الأمن يملك صلاحية فرض العقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لكن امتلاك هذه الصلاحية لا يعفي من مساءلة دوافع استخدامها ونتائجها.
وفهم المشروع الأمريكي يقتضي النظر إليه ضمن سياق أوسع من مجرد تنظيم تدفق الأسلحة. فقد تزامن السعي إلى توسيع الحظر مع تحركات واشنطن الرامية إلى إقرار هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، وتكثيف الضغوط لحمل الأطراف على الانخراط في ترتيبات سياسية جديدة. كما تضمنت المسودات الأمريكية مقترحات لتوسيع النطاق الجغرافي للحظر، والنص صراحة على شموله الطائرات المسيّرة وأنظمتها ومكوناتها ذات الاستخدام المزدوج والتقنيات المرتبطة بها، في سياق المخاوف الدولية المتعلقة بتطور وسائل القتال وحماية المدنيين. غير أن اجتماع هذه الأهداف مع التحركات السياسية الأمريكية يفتح باباً مشروعاً للتساؤل حول الوظيفة الاستراتيجية للحظر: إلى أي مدى يمكن أن تتحول القيود العسكرية، بصرف النظر عن دوافعها المعلنة، إلى وسيلة لتغيير حسابات الأطراف ودفعها إلى قبول مسار تفاوضي محدد؟ فالأثر المحتمل للعقوبات على ميزان القوى الميداني يجعل الفصل بين الغايات الإنسانية والنتائج السياسية أمراً بالغ الصعوبة.
فحظر السلاح في النزاعات المسلحة يتجاوز أثره أحياناً حدود منع الإمدادات، ليمتد إلى قدرة الأطراف على الاستمرار في القتال، ومواقعها التفاوضية، وشروط التسوية التي يمكن أن تقبل بها. وفي الحالة السودانية، حيث تواجه مؤسسة عسكرية نظامية مليشيا مسلحة تعتمد على شبكات إمداد وتمويل عابرة للحدود، فإن تطبيق قيود واسعة دون ضمانات فعالة لإنفاذها قد ينتج آثاراً غير متكافئة، حتى لو بدا النص القانوني متساوياً في ظاهره. فالتساوي في صياغة العقوبات لا يضمن بالضرورة التساوي في نتائجها، خصوصاً عندما تختلف طبيعة الأطراف ووسائل حصولها على السلاح.
أما الموقفان الروسي والصيني، فينبغي قراءتهما من خلال المصالح الاستراتيجية للدولتين، وموقفهما الأوسع من السيادة الوطنية وحدود التدخل الدولي، فضلاً عن تنافسهما مع الولايات المتحدة على التأثير في القرارات الدولية. وقد التقت هذه الحسابات مع الحجة السودانية الرافضة لإضعاف المؤسسة العسكرية النظامية، وإن اختلفت دوافع الأطراف. أما مواقف الأعضاء الأفارقة وباكستان، فقد عكست تحفظات على توسيع النطاق الجغرافي للعقوبات، مع تباين تقديراتها بشأن الأحكام التفصيلية للمشروع. واللافت أن واشنطن، رغم احتفاظها بدور «حامل القلم» في ملف العقوبات على السودان، لم تتمكن من حشد التوافق اللازم لتمرير مشروعها، فآثرت تجميده في ظل اعتراضات هددت فرص اعتماده. وهو ما يوضح الفارق بين امتلاك المبادرة الدبلوماسية والقدرة على فرض نتائجها، ويؤكد أن مجلس الأمن ما زال ساحة تتقاطع فيها المبادئ القانونية مع حسابات القوة والمصالح.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التوقف عندها. فالقرار 1591، الذي مضى على اعتماده أكثر من عقدين، لم ينجح في وقف تدفق الأسلحة إلى دارفور، رغم ما يتضمنه من تدابير وآليات للرقابة والمتابعة. وإذا كانت شبكات الإمداد قد استطاعت الالتفاف على القيود القائمة طوال هذه السنوات، فإن توسيع نطاق الحظر إلى كامل السودان يثير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن توسيع مساحة أداة لم تُعالج بعد أسباب إخفاقها في نطاقها الأصلي؟ فالمشكلة تبدو مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على تنفيذ قراراته، وتعقب الشبكات التي تنتهكها، ومحاسبة الجهات التي توفر السلاح والتمويل والمرتزقة، أكثر من ارتباطها بالمساحة الجغرافية التي تشملها النصوص.
وتزداد أهمية هذه المفارقة في ظل الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لقوات مليشيا الدعم السريع، وما يثار بشأن مسارات الإمداد عبر الحدود وشبكات التمويل والتسليح. فجدية المجتمع الدولي ينبغي أن تظهر في ملاحقة الانتهاكات القائمة، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، وفرض تدابير قابلة للتنفيذ على الجهات المتورطة. أما توسيع الحظر مع استمرار الثغرات ذاتها، فقد يضاعف القيود المفروضة على القنوات الرسمية، بينما تحتفظ الشبكات غير المشروعة بقدرتها على المناورة والالتفاف.
ومع ذلك، فإن اعتبار تعثر المشروع انتصاراً سودانياً نهائياً سيكون استنتاجاً متعجلاً. فالولايات المتحدة جمّدت مقترح التوسيع في هذه المرحلة، دون أن تتخلى بالضرورة عن المقاربة السياسية التي أنتجته. وبعد التمديد الفني الذي أقره مجلس الأمن في الحادي عشر من سبتمبر بموجب القرار 2828، والذي أبقى العقوبات القائمة حتى التاسع من أكتوبر وولاية فريق الخبراء حتى التاسع من نوفمبر، اتجهت المشاورات إلى مشروع تمديد جديد للعقوبات حتى الحادي عشر من ديسمبر، ولولاية فريق الخبراء حتى الحادي عشر من يناير 2027م، دون توسيع النطاق الجغرافي للحظر. ويظل الخلاف حول مستقبل نظام العقوبات مفتوحاً أمام مفاوضات جديدة وصيغ معدلة. كما أن تعثر مشروع التوسيع داخل المجلس لا يحرم واشنطن من أدوات أخرى، تشمل العقوبات الأحادية والضغوط المالية والدبلوماسية والتأثير في علاقات السودان الخارجية. فحدود النفوذ الأمريكي داخل مجلس الأمن لا تتطابق بالضرورة مع حدود قدرته على ممارسة الضغط خارجه.
ومن ثم، فإن الفرصة الدبلوماسية المتاحة للسودان، على أهميتها، تظل مرتبطة بقدرة الخرطوم على تحويل الاعتراض الدولي على توسيع الحظر إلى موقف أكثر رسوخاً بشأن حماية مؤسسات الدولة. وهذه مسؤولية تتطلب دبلوماسية نشطة، وخطاباً قانونياً محكماً، وتوثيقاً دقيقاً لمسارات السلاح والانتهاكات، وبناء تفاهمات تتجاوز المواقف الظرفية للدول الكبرى. كما تقتضي إدراك أن الدفاع عن شرعية المؤسسة العسكرية لا يحسم بمفرده قضية الشرعية السياسية، وأن استعادة الاستقرار تستلزم مشروعاً وطنياً يحفظ وحدة الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويفتح الطريق أمام انتقال سياسي يستمد مشروعيته من الإرادة السودانية.
لقد تعثر مشروع توسيع الحظر في مجلس الأمن، لكن المقاربة السياسية التي أنتجته ما زالت حاضرة في حسابات واشنطن. وبين ما عجزت الولايات المتحدة عن تمريره، وما تستطيع العودة إليه بأدوات أخرى، تتحدد مسؤولية السودان في استثمار هذا التعثر لبناء موقف دبلوماسي أكثر رسوخاً، يستند إلى قوة الحجة القانونية، وتماسك المؤسسات، ووضوح المشروع الوطني. ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بكيفية تعامل القوى الدولية مع السودان: هل ستُعامل دولته بوصفها دولة تواجه تمرداً مسلحاً، أم بوصفها طرفاً في نزاع تُعاد صياغة ترتيباته السياسية من خارج حدوده؟ فالمشروع الذي تعثر في مجلس الأمن كشف عن معركة أوسع تتجاوز حظر السلاح إلى سؤال السيادة ذاته: من يملك حق تعريف الدولة السودانية ومكانتها في النظام الدولي، ومن يملك حق تقرير مستقبلها؟
