أكثر من 105 أحزاب في السودان.. تعددية سياسية أم انقسامات تبحث عن السلطة؟

قيادات بلا تجديد وقواعد جماهيرية ضعيفة وشباب خارج الحسابات.. مراجعة قانون الأحزاب تضع بنية التنظيمات السياسية أمام اختبار الإصلاح

تقرير : إنتصار فضل الله

تضع كثرة الأحزاب والكيانات السياسية في السودان سؤالاً جوهرياً أمام مستقبل الحياة السياسية: هل تعكس هذه الكيانات تعددية حقيقية وتنوعاً في البرامج والرؤى، أم أنها تعبير عن انقسامات تنظيمية وصراعات على القيادة والسلطة؟

فبينما يتجاوز عددها 105 أحزاب وكيانات، وفق ما أورده القيادي السابق بحزب الأمة القومي، البروفيسور إبراهيم الأمين، خلال ورشة إصلاح قانون الأحزاب السياسية، لا تزال قدرة معظم التنظيمات على بناء مؤسسات مستقرة وتوسيع قواعدها الجماهيرية موضع تساؤل.

ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع مراجعة قانون الأحزاب السياسية لسنة 2007، في وقت تتجاوز فيه أزمة العمل الحزبي مسألة التسجيل القانوني إلى طبيعة الممارسة داخل التنظيمات، ومدى قدرتها على تجديد قياداتها وإنتاج البرامج واستيعاب الأجيال الجديدة.

وهي أسئلة أعادت ملف الإصلاح الحزبي إلى واجهة النقاش السياسي، بين من يربط الأزمة بالانقسامات الداخلية، ومن يراها نتيجة تراكمات تاريخية واختلالات قانونية ومؤسسية.

انقسامات متكررة

يرى مساعد رئيس حزب الأسود الحرة، د. إبراهيم محمد، أن تضخم عدد الأحزاب يرتبط، في جانب كبير منه، بالخلافات والانقسامات داخل التنظيمات القائمة، وليس بالضرورة باتساع قاعدة التعددية السياسية.

ويشير إلى أن كثيراً من الكيانات الجديدة تنشأ نتيجة خلافات داخلية، بما يجعل تعددها انعكاساً لأزمة تنظيمية أكثر من كونه تعبيراً عن اختلافات فكرية وبرامجية.

ولا تقف الأزمة، بحسب محمد، عند الانشقاقات، بل تمتد إلى ضعف قدرة الأحزاب على استقطاب الشباب والاحتفاظ بهم. فهذه التنظيمات تعتمد على الطاقات الشابة في الحراك السياسي والعمل التنظيمي، لكنها لا تملك الإمكانات المالية التي تتيح توفير مرتبات أو فرص عمل للعاملين في أنشطتها.

ويقول ل” نبأ السودان ” ، إن الشباب يحتاجون إلى مصادر دخل مستقرة، في حين لا تستطيع الأحزاب، في ظل ضعف مواردها، توفير وظائف أو مقابل مادي يتناسب مع الجهد المبذول. ونتيجة لذلك، تصبح المشاركة الحزبية بالنسبة إلى كثيرين نشاطاً يصعب الاستمرار فيه، رغم اعتماد التنظيمات عليهم في تحركاتها وأنشطتها.

وتكشف هذه الإفادة عن جانب اقتصادي في أزمة المؤسسات الحزبية، إذ لا يرتبط ضعف المشاركة الشبابية بالتمثيل السياسي وحده، وإنما أيضاً بقدرة الأحزاب على توفير بيئة تنظيمية مستدامة تتيح للكوادر المشاركة بعيداً عن العمل التطوعي غير المدفوع.

أزمة تاريخية

ويذهب المحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي إلى أن عجز الأحزاب السودانية عن التحول إلى مؤسسات منتجة للبرامج والقيادات يرتبط بتداخل عوامل تاريخية وسياسية، في مقدمتها طبيعة النخب وبنية النظام السياسي.

ويوضح أن مراكز الثقل داخل عدد من الأحزاب ارتبطت، منذ نشأتها، بالزعامات التاريخية والمرجعيات الطائفية والفكرية أكثر من ارتباطها بالمؤسسات والبرامج.

ويقول شقلاوي ل” نبأ السودان ” ، إن الديمقراطية الداخلية تراجعت مع مرور الوقت، وضعفت آليات التداول القيادي والمحاسبة، فتحولت الخلافات حول القيادة والمواقع إلى مداخل للانشقاق، بدلاً من أن تكون فرصاً للتجديد وإنتاج أفكار وقيادات جديدة.

ولا يعزل شقلاوي الأحزاب عن البيئة السياسية التي نشأت وعملت فيها؛ إذ يرى أن دورات الحكم العسكري والانقلابات وفترات الحكم الشمولي أسهمت في إضعاف الحياة الحزبية وقطع مسارات تطورها المؤسسي. كما أن غياب الاستقرار الدستوري وضعف المؤسسات التشريعية والرقابية دفعا التنافس السياسي، في كثير من الأحيان، نحو السلطة وتقاسم النفوذ، بدلاً من البرامج والأفكار.

ويخلص إلى أن أزمة الأحزاب لا تكمن في نقص التاريخ أو الكفاءات، وإنما في العجز عن تحويل هذا الرصيد إلى مؤسسات حقيقية، معتبراً أن السودان يحتاج إلى أحزاب تستمد شرعيتها من البرامج والإنجاز، لا من الزعامة والتاريخ وحدهما، وتتحول إلى مؤسسات لإنتاج الأفكار والقيادات والمساهمة في بناء الدولة.

ديمقراطية غائبة

ومن زاوية قانونية، يضع د. علي الشايب أبودقن، المحامي وعضو مجلس نقابة المحامين السودانيين وأستاذ القانون الدولي العام والدستوري ومقرر لجنة الحوار السوداني السوداني بولاية القضارف، الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب في صدارة أسباب تعثر الحياة السياسية.

ويتساءل الشايب عما إذا كانت التنظيمات التي تنادي بالديمقراطية تطبقها داخل هياكلها، معتبراً أن غياب التداول الانتخابي الرشيد وهيمنة القيادة الفردية أو الأسرية يتناقضان مع الشعارات التي ترفعها هذه الأحزاب.

ويشير إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على أحزاب اليمين، بل تشمل اليسار أيضاً، مستشهداً ببقاء الراحل محمد إبراهيم نقد رئيساً للحزب الشيوعي السوداني حتى وفاته، وباستمرار أنماط القيادة التقليدية في حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي والتنظيمات المنشقة عنهما.

وقال الشايب ل” نبأ السودان ” ، كثرة الكيانات لا تعني بالضرورة وجود ممارسة حزبية حقيقية، بل قد تعكس طموحات أفراد يسعون إلى الوصول للسلطة عبر أحزاب لا تستند إلى قواعد جماهيرية، وصولاً إلى المحاصصات التي يصفها بأنها من أكبر معوقات تقدم السودان، وقد امتدت آثارها، بحسب إفادته، إلى الحركات المسلحة.

قانون جديد

وفي تقييمه لأثر التشريع، يرى الشايب أن القانون الحالي قد يتيح ثغرات في تأسيس الأحزاب وممارستها، بما يؤدي إلى ظهور كيانات تعبر عن مؤسسيها أكثر مما تمثل قطاعات واسعة من المجتمع. ويشير إلى أن معظم السودانيين لا يعرفون عدداً كبيراً من هذه الأحزاب، رغم سعيها إلى المشاركة في السلطة.

ويحذر من أن تعديل القانون في جوانبه الشكلية، دون معالجة جوهرية، لن يؤدي إلى تقليص التشظي. ويدعو إلى وضع ضوابط أكثر إحكاماً لتأسيس الأحزاب، وإنشاء آلية رقابية دائمة للتحقق من الممارسة الديمقراطية داخلها، إلى جانب تحديد مدة زمنية لتولي رئاسة الحزب.

ويؤكد أن السودان يحتاج إلى قانون جديد وإعادة تأسيس الحياة الحزبية في الوقت نفسه، باعتبارهما مسارين متكاملين لبناء ممارسة سياسية مؤسسية، والحد من الانقلابات ومصادرة التعددية والمحاصصات.

اختبار الإصلاح

وتضع هذه الإفادات مراجعة قانون الأحزاب أمام اختبار يتجاوز تحسين شروط التسجيل أو زيادة القيود الإجرائية، إلى معالجة طبيعة العلاقة بين القيادة والعضوية، وضمان التداول الداخلي، وتعزيز الشفافية المالية، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء.

كما تبرز الحاجة إلى بيانات واضحة من مجلس شؤون الأحزاب السياسية بشأن عدد الكيانات المسجلة، ومدى انتظام مؤتمراتها العامة، وتجديد قياداتها، وامتلاكها فروعاً وقواعد تنظيمية فاعلة في الولايات.

فالمعضلة، كما تكشفها إفادات المتحدثين، لا تتعلق بعدد الأحزاب وحده، بل بالفجوة بين التعدد القانوني والممارسة السياسية. وبينما يفتح تعديل القانون نافذة لمراجعة التجربة، يبقى التحدي في تحويل التنظيمات المسجلة إلى مؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع والتنافس بالبرامج، وإدارة الاختلاف داخل قواعد ديمقراطية مستقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار ذات صلة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist