في شارع مزدحم بالخرطوم، لا يبدأ المواطن سؤاله عن الحوار السوداني من شكل الحكومة المقبلة أو توزيع المقاعد السياسية. رجل يلاحق سعر سلعة ارتفع، وأسرة تنتظر عودة خدمة انقطعت، وطالب يحاول استعادة مقعده الجامعي بعد سنوات الحرب، ونازح يفكر في العودة، يجتمعون حول سؤال واحد: ماذا سيغيّر الحوار في حياتنا؟
هنا تدخل عملية الحوار مرحلة مختلفة؛ من التعريف بالفكرة إلى محاولة جعل المواطن طرفاً فيها، لا متلقياً لنتائجها.
صوت المواطن
ياسر عباس، موظف، يختصر المسألة في سؤال مباشر: «ماذا يستطيع الحوار أن يغيّر في الواقع؟»
بالنسبة إليه، لا تكفي معرفة المواطن بوجود حوار أو متابعة اجتماعات تعقد باسمه. ما يهمه أن يعرف كيف سينعكس على الأمن والاقتصاد والتعليم والخدمات.
المواطن الذي فقد منزله يريد معالجة آثار الحرب، ومن فقد مصدر دخله يريد طريقاً للعودة إلى العمل، والطالب يريد تعليماً مستقراً. لذلك، فإن القناعة بالحوار تبدأ عندما تتحول مخرجاته المحتملة إلى إجابات يمكن رؤيتها في الحياة اليومية.
الاستماع أولاً
د. عمر الخير، مدير مركز الديمقراطية، يرى أن البداية لا تكون بطلب اقتناع المواطن بالحوار، وإنما بمعرفة ما يريده منه.
المواطن، في تقديره، يتابع القوى السياسية لكنه لا يجد نفسه دائماً داخل المشهد. لذلك يقترح فتح مساحات مباشرة مع الناس لمعرفة موقفهم، وما القضايا التي يريدون وضعها في مقدمة الحوار.
وهنا يبرز دور النقابات والجامعات والمجتمعات المحلية والإعلام، ليس لتكرار خطاب سياسي جاهز، وإنما لنقل أسئلة المواطنين إلى طاولة الحوار.
الوصول للناس
الأمين إبراهيم الأمين، عمدة قبيلة الرفاعيين العزوزاب التسعين القواسمة، يضع الإدارات الأهلية في قلب مهمة الوصول إلى المجتمعات المحلية.
فصلتها المباشرة بالناس، في رؤيته، تتيح تبسيط فكرة الحوار وفتح النقاش حولها والمساهمة في معالجة آثار الانقسام الاجتماعي.
لكن المواطن الذي نزح أو لجأ أو يعيش في منطقة يصعب الوصول إليها لن ينتظر في قاعة حوار. لذلك، فإن الوصول إليه حيث يوجد يصبح جزءاً من العملية نفسها.
ويرى الأمين أن المجتمع لديه بالفعل ما يطرحه: تجارب الحرب ومخاوفها ومصالحه وأسئلته حول الدولة التي يريدها، المطلوب هو أن تجد هذه الأصوات طريقها إلى أجندة الحوار.
من المستمع للمؤثر
د. مجد الدين الشيخ الأحمدي الشناوي، نائب رئيس تحالف سودان العدالة الأصل ورئيس الهيئة الصوفية القومية بالسودان، يذهب إلى السؤال التالي: هل يستطيع المواطن التأثير في نتائج الحوار؟
فالمشاركة، في رؤيته، لا ينبغي أن تتوقف عند الاستماع إلى الخطاب. المواطن يمكن أن يؤثر في أولويات القوى السياسية عندما تصبح مطالبه واضحة ومسموعة.
ومن هنا تبرز أهمية الجامعات والمنتديات والمؤسسات الدينية والاجتماعية والنقابات كمساحات للنقاش، بحيث لا يظل المواطن خارج عملية تحديد الأولويات.
التعليم يتحدث
في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، تتخذ المسألة شكلاً آخر.
مساعد وكيل الجامعة، عفراء هاشم عبد اللطيف، تتحدث عن استمرار الدراسة خلال الحرب عبر التعليم الحضوري والإلكتروني، وتنظيم الامتحانات للطلاب داخل السودان وخارجه.
لكنها تربط مرحلة ما بعد الحرب بالحفاظ على الطلاب والأساتذة والكوادر المهنية، وتدعو السودانيين في الداخل والخارج إلى الإسهام في إعادة البناء وتوطين ثقافة الحوار والسلام.
يقول بالنسبة إلى الطالب، فإن الحوار لا ينفصل عن مستقبله: هل يعود إلى جامعة مستقرة؟ وهل يجد بعد التخرج دولة قادرة على استيعاب خبراته؟
اتساع المشاركة
القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي، د. محمد أحمد الجالي، يضع سؤالاً مختلفاً: من يشارك في الحوار؟
ويرى أن إقصاء القوى السياسية والمجتمعية يهدد العملية، وأن قضايا المواطن يجب أن تكون في قلبها، لا أن تظل محصورة بين السياسيين.
ويدفع باتجاه عقد ندوات عامة ومحاضرات في الجامعات والمدارس، وتوسيع المشاركة لتشمل قطاعات المجتمع، مع الاستفادة من الاتفاقيات والأطر السابقة، ومنها اتفاق جدة.
كما يرى أهمية توسيع تمثيل اللجنة الحالية ليشمل مكونات وقطاعات مختلفة.
الاختبار الحقيقي
في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى وعود عامة بقدر حاجته إلى إجابات محددة: متى يعود الأمن؟ كيف تعود الخدمات؟ ماذا عن التعليم والعمل؟ وماذا سيحدث للنازحين؟ والأهم: هل سيكون له صوت في صياغة الإجابات؟
وتلتقي إفادات المتحدثين عند أربع نقاط: الوصول إلى المواطن في مكانه، الاستماع إلى مطالبه قبل مخاطبته، توسيع المشاركة عبر المجتمع والجامعات والإدارات الأهلية، وتحويل المخرجات إلى قضايا يمكن للمواطن متابعتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
عندها وفقا لمصادر يصبح الحوار بالنسبة إلى المواطن أكثر من اجتماعات وبيانات؛ يصبح طريقاً يرى فيه شيئاً من حياته المقبلة.


















