تقرير: انتصار فضل الله
في موقف جاكسون، لا يبدأ الصباح بصوت محركات المركبات وحده، بل بسؤال بات يتردد قبل الصعود: «الخط ده بكم؟». سؤال بسيط، لكنه أصبح جزءاً من الحساب اليومي لآلاف المواطنين في الخرطوم، مع ارتفاع تعرفة المواصلات وتراجع قدرة الأسر على تحمل أعباء المعيشة.
وبحسب شكاوى مواطنين تحدثوا إلى «نبأ السودان»، فإن الزيادات الأخيرة لم تعد مرتبطة بمشوار واحد، وإنما تحولت إلى فاتورة شهرية تستنزف دخولهم، خصوصاً لمن يضطرون إلى استخدام أكثر من وسيلة للوصول إلى أماكن العمل أو الدراسة.
رصد ميداني
قبل نحو شهر، كانت تعرفة المواصلات في عدد من خطوط الخرطوم تتراوح بين 2,000 و5,000 جنيه للرحلة الواحدة، بحسب المسافة والخط. لكن منذ نهاية الشهر الماضي وحتى اليوم، رصدت «نبأ السودان» زيادات تراوحت في عدد من الخطوط بين 1,000 و2,000 جنيه للمشوار الواحد، مع تفاوت بين المواقف والخطوط، خاصة في جاكسون والشهداء والاستاد وغيرها.
والزيادة التي قد تبدو محدودة عند حسابها في رحلة واحدة، تتحول إلى عبء كبير مع تكرارها يومياً. فالمواطن الذي يدفع نحو 10 آلاف جنيه يومياً ذهاباً وإياباً في بعض التعرفات الحالية، يمكن أن تتجاوز فاتورته الشهرية 260 ألف جنيه عند احتساب 26 يوم عمل. ومع تعدد وسائل النقل، قد تتجاوز الكلفة 400 ألف جنيه شهرياً، وفق عدد الرحلات والتعرفة المستخدمة.
دخل يتآكل
كل صباح، تخرج هنادي النور، صحفية، وهي تعرف أن جزءاً من دخلها سيبقى في الطريق إلى العمل. رحلة الذهاب من المنزل إلى مقر العمل تكلفها 13 ألف جنيه، ومثلها في العودة، لتدفع نحو 26 ألف جنيه يومياً للمواصلات.
وباحتساب 26 يوم عمل، تقول هنادي ل” نبأ السودان ” ، تصل الفاتورة إلى نحو 676 ألف جنيه شهرياً، وتشمل كامل رحلة الذهاب والعودة بكل وسائل المواصلات التي تستخدمها، بما فيها الركشة. ولا تتوقف الكلفة عند ذلك، إذ تضاف إليها المشاوير الجانبية، ما يجعل المواصلات بنداً ثابتاً يقتطع جزءاً كبيراً من دخلها قبل الإنفاق على بقية الاحتياجات.
إعفراء خميس موظفة افادت, بإن المشكلة لا تكمن في قيمة الزيادة وحدها، وإنما في تكرارها يومياً: «المواصلات ما عندها بديل. لازم أطلع الصباح وأرجع المساء، وأحياناً أستخدم أكثر من مواصلتين. الزيادة الصغيرة في كل مشوار تصبح مبلغاً كبيراً في نهاية الشهر».
خلاف يومي
ومع كل زيادة في التعرفة، تتجدد المشادات بين الركاب والسائقين والكمسارية. بعض الركاب يرفضون دفع التعرفة الجديدة، بينما يرى السائقون أن استمرار الأسعار القديمة لم يعد يغطي تكلفة التشغيل.
في موقف جاكسون، يقول السائق عماد عبد الكريم، العامل على خط الخرطوم – الصحافة، إن الوقود أصبح أحد أكبر بنود التكلفة، إلى جانب الزيوت والإطارات وقطع الغيار والصيانة والأعطال المتكررة، مشيراً إلى الارتفاع الكبير في أسعار قطع الغيار.
وعلى خط العربي – الثورة، يقول السائق الأمين شافي الدين ل” نبأ السودان ” إن تثبيت التعرفة في وقت ترتفع فيه تكاليف التشغيل يقلص هامش دخل السائق، موضحاً أن الإيراد اليومي غير ثابت، بينما الوقود والصيانة والمصروفات الأخرى مستمرة.
ولا تقف المشكلة عند المركبات العاملة؛ إذ يؤدي شح الوقود إلى تقليل عدد المركبات التي تعمل بصورة منتظمة، وهو ما يطيل زمن الانتظار ويدفع بعض الركاب إلى الركشات والمركبات الخاصة، حيث ترتفع تكلفة الرحلة بصورة أكبر.
الوقود يضغط
تأتي أزمة التعرفة في وقت تواجه فيه الخرطوم اضطراباً في إمدادات الوقود. وفي الأول من أكتوبر، عقدت اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم اجتماعاً برئاسة الوالي أحمد عثمان حمزة بمقر شركة مواصلات الولاية ، وبحثت قضايا المواصلات والوقود.
وأكد الاجتماع دعم الشركة والاستمرار في تأهيل البصات باعتبارها إحدى الوسائل المهمة لترحيل المواطنين بتعرفة مخفضة، إلى جانب إصدار ضوابط لصرف الوقود وتشديد الرقابة على محطات الخدمة.
وقبل ذلك، بحث الوالي مع وزارة الطاقة والنفط في سبتمبر ترتيبات تأمين وانسياب الوقود، في ظل زيادة الطلب على المشتقات البترولية مع عودة المواطنين واستئناف النشاط الاقتصادي.
وفي نهاية سبتمبر، وجه رئيس الوزراء كامل إدريس خلال جولة على محطات الوقود بزيادة الإمدادات، بينما أكد الوالي توفر الوقود وبشر بضخ كميات إضافية إلى محطات العاصمة.
لكن بين التصريحات الرسمية وما يواجهه المواطن في الشارع، يؤكد مراقبين ان أزمة الوقود تظل حاضرة في تفاصيل النقل اليومية.
وكانت ولاية الخرطوم قد أعلنت في يوليو الماضي تسعيرة جديدة للوقود، حددت بموجبها سعر لتر البنزين عند 6,431 جنيهاً، وسعر جالون البنزين سعة 4.5 لتر عند 28,939.5 جنيهاً، فيما بلغ سعر لتر الجازولين 8,678 جنيهاً والجالون 39,051 جنيهاً. ولاحقاً، خُفّض سعر الجازولين في أغسطس إلى 8,518 جنيهاً للتر، بحسب تعميم للولاية.
ومع شح الإمدادات، يتحدث متعاملون عن وصول سعر جالون البنزين في السوق غير الرسمية إلى أكثر من 80 ألف جنيه، مقابل نحو 40 ألف جنيه تقريباً في المحطات وفق الأسعار المتداولة حالياً، وهو فارق يضاعف تكلفة التشغيل على المركبات التي تلجأ إلى السوق الموازية.
فاتورة الحرب
ولا تنفصل أزمة المواصلات عن الوضع الاقتصادي الذي خلفته الحرب؛ فتراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الاستيراد وصعوبات الشحن والنقل وتذبذب الإمدادات، كلها عوامل تنعكس على تكلفة تشغيل المركبة، ثم تنتقل في النهاية إلى الراكب.
وفي ظل غياب استقرار الإمدادات، تصبح التعرفة عرضة للتغيير، بينما يجد المواطن نفسه بين تكلفة تشغيل مرتفعة وقدرة محدودة على الدفع. أما الركشات والمواصلات الخاصة، التي تحولت إلى خيار اضطراري عند غياب المركبات العامة، فتضيف عبئاً جديداً على ميزانية الأسرة، خصوصاً في ساعات الذروة.
من يدفع؟
المشكلة لم تعد مجرد زيادة ألف أو ألفي جنيه في التعرفة، وإنما فاتورة شهرية كاملة. فالموظف الذي يدفع آلاف الجنيهات يومياً للوصول إلى عمله قد يجد نفسه أمام مئات الآلاف شهرياً، قبل احتساب المشاوير الأخرى.
وبينما تعمل الولاية على تأهيل البصات الحكومية وتعلن إجراءات لضبط الوقود، يبقى السؤال: من يحدد تعرفة المواصلات الحالية؟ وعلى أي أساس؟ وهل الزيادات التي يدفعها المواطن تستند إلى تعرفة رسمية أم أنها انعكاس لارتفاع تكلفة التشغيل وشح الوقود؟
