لم يكن الدكتور عبد الرحيم عمر يتوقع، بعد 18 عاماً قضاها في التدريس بجامعة النيلين، أن تكون خاتمة رحلته الأكاديمية خطاباً من صندوق المعاشات يخبره بأنه لا يستحق معاشاً شهرياً، لأن سنوات خدمته تقل عن الحد المطلوب، وأن حقه يقتصر على مكافأة تُصرف مرة واحدة.
في الأول من يناير 2024، أُحيل الأستاذ الجامعي إلى التقاعد، بعد سنوات أمضاها في قاعات الدراسة، يدرّس الطلاب ويسهم في إعداد أجيال جديدة لكن نهاية الخدمة لم تكن بداية راحة بعد سنوات العمل، بل بداية انتظار طويل لمعرفة ما تبقى له من حقوق.
أُرسل ملفه إلى صندوق المعاشات، وجاء الرد بأن سنوات خدمته الثماني عشرة لا تبلغ العشرين عاماً المطلوبة لاستحقاق المعاش الشهري، ليجد نفسه أمام خيار واحد: مكافأة نهاية خدمة تُدفع مرة واحدة، بدلاً من دخل شهري يستند إليه بعد التقاعد.
ومضت الشهور، وحلّ عيد الأضحى الماضي، بينما ظل خطاب المكافأة المنتظر غائباً. ثم وصل الخطاب أخيراً، حاملاً المبلغ الذي اختُزلت فيه 18 سنة من العمل الأكاديمي: مليوناً وثمانمائة ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 200 دولار، وفق القيمة المذكورة في رواية الواقعة
مليون وثمانمائة ألف جنيه مقابل 18 عاماً من التدريس الجامعي؛ مبلغ قد يبدو رقماً في مستند رسمي، لكنه في حياة أستاذ متقاعد يفتح سؤالاً أكبر من قيمة المكافأة نفسها: كيف يمكن لمن أمضى سنوات في التعليم أن يبدأ حياته بعد التقاعد بهذا القدر المحدود من المال، ومن دون معاش شهري؟
ولا تقف المفارقة عند حالة الدكتور عبد الرحيم عمر. فبحسب الأرقام الواردة في الرواية، لا يتجاوز معاش بعض زملائه المتقاعدين 140 ألف جنيه شهرياً، أي ما يعادل نحو 15 دولاراً. وهو مبلغ لا يكاد يكفي لشراء احتياجات أساسية، وتقول الرواية إنه يعادل ثمن كيلوغرامين من اللحم.
هكذا يجد متقاعدون أفنوا سنواتهم في الخدمة الحكومية أنفسهم أمام معادلة قاسية: دخل شهري لا يواكب تكاليف المعيشة، أو مكافأة تُصرف مرة واحدة ثم تنتهي، بينما تستمر احتياجات الحياة بعد مغادرة الوظيفة.
قصة الدكتور عبد الرحيم ليست مجرد حكاية موظف انتهت خدمته، ولا شكوى من مبلغ مالي محدود؛ إنها نافذة على واقع المعاشات في السودان، وعلى مصير العاملين حين يبلغون نهاية سنوات العمل، بعد أن أمضوا أعمارهم في خدمة مؤسسات الدولة.
ثمانية عشر عاماً في قاعات الجامعة، ثم خطاب بمليون وثمانمائة ألف جنيه. وبين سنوات العطاء وقيمة المكافأة، تبقى أسئلة العدالة الاجتماعية وحقوق المتقاعدين معلّقة: هل يُفترض أن تتحول سنوات الخدمة إلى عبء على صاحبها عند التقاعد؟ وهل تكفي مكافأة تُدفع مرة واحدة لتكون بديلاً عن معاش شهري، في بلد تتآكل فيه قيمة النقود وتتزايد فيه أعباء المعيشة؟
بالنسبة إلى الدكتور عبد الرحيم عمر، وصل الخطاب أخيراً، لكن وصوله لم يُنهِ الحكاية؛ بل كشف حجم الفجوة بين سنوات العمل وما ينتظر صاحبها عند التقاعد.
