نساء الفاشر.. من تحت القصف إلى العراء.. رحلة موت مؤجلة

WhatsApp Image 2025 08 06 at 16.09.00

هربن من قذائف الحرب في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، لكن ما وجدنه في محلية الدبة بالولاية الشمالية لم يكن النجاة، بل وجهًا آخر للمأساة. نساء أنهكتهن الحرب، أكلت من أعمارهن وكرامتهن، وتركتهن في العراء بلا مأوى، ولا غذاء، ولا حتى مكان آمن لقضاء الحاجة.

في رواكيب مهترئة و تحت ظلال الأشجار اليابسة بمحلية الدبة، تجلس نساء خرجن من قلب الجحيم في مدينة الفاشر، يحملن أطفالهن وأوجاعهن وما تبقى من الذاكرة. رحلة النزوح لم تكن خيارًا، بل كانت صرخة نجاة أخيرة، بعد أن صار الموت يطرق الأبواب في كل ساعة.

هدى شايب، التي أصيبت بشظايا قذيفة وهي نائمة، كانت قد فقدت الأمل في البقاء، تقول لـ «نبأ السودان»:
“كنت نايمة وضربتنا قذيفة الساعة 2، دم نزل من راسي، وأنا أجري بشيل أمي الكبيرة وطفلتي الصغيرة، والجوع كاتلنا. بقينا ناكل الأمباز، حتى الويكة انتهت. وصلت الدبة وركبونا رواكيب قماش، وبعد فترة قالوا أطلعوا، ما دايرين رواكيب. بقينا في الشمس، ناكل وجبة واحدة، وما بيدوك إلا بعد الحضور. حتى الحمام بفلوس، وأنا ما عندي.”

رائحة الموت لم تغادر ذاكرة مكارم سليمان، التي فقدت أسرتها بالكامل، وعاشت على فتات الأرض:
“في الفاشر بقينا ناكل أمباز عشرة أيام، نمشي ندور في الأرض ما نلقاه، العيشة بـ150، ما في زيت، ما في حاجة. مشينا على الأقدام حتى وصلنا الدبة، وأطفالي مرضوا من الطريق. هنا بناكل بقايا المطاعم، والوجبة ما بتكفي، والأطفال بيبكوا من الجوع.”

في جانب آخر من المعسكر، تبكي أماني عبدالرحمن بيتها في الفاشر، وحياتها التي سُرقت دون إنذار:
“الحرب طلعتنا، كنا قاعدين في مراكز الإيواء وتحت القصف. حياتنا اتكسرت. ما في أكل، ما في احتياجات نساء، ما في أي كرامة. أنا ولدت هناك، وما كنت أتوقع أطلع كدا.”

وعندما سُئلت نعمات محمد، وهي أم لستة أيتام، عن رحلتها، قالت بكلمات حفرت في الذاكرة:
“دفعت 4 مليارات عشان أطلع… وجيت هنا ننام تحت الشمس، لا أكل، لا شراب، لا حمام، لا مشمع، لا حياة.”

بين كل تلك الوجوه، كانت الطفلة نور محمد الفاتح، التي اعتُقل والدها منذ عام، تحاول أن تبتسم لكنها لا تقدر. قالت:
“كنا ناكل أمباز وننام في الشمس. وهنا نفس الشي. رغيفة واحدة ما بتكفي، وما عندنا حتى فرشة، ننام في التراب.”

وفي نهاية الرواية، تحكي إخلاص محمد هارون القصة التي لا تحتاج إلى تعليق:
“قذيفة قتلت 3 من أهلنا، وجرحت 6، وأنا وبنتي مصابات. نزحنا من الفاشر لزمزم، ومن هناك لمليط، وأخيرًا للدبة. جينا من الموت لكن لقينا الجوع، وما عندنا لا بيت، لا فرشة، لا بكرة.”

من الفاشر إلى الدبة، لم تكن النجاة انتصارًا، بل انتقالًا من قذائف الحرب إلى صمت الجوع. نساء لا يزلن على قيد الحياة

 

Exit mobile version