د.البشير الحسن أبونخل يكتب : نحو مقاربة لنهضة السودان عبر نظام حكم رشيد وأدوات سياسية ذات أبعاد قيمية

final to clinet Recovered قالب مقالات مطولة مقاس ويب للموقع

في التاريخ الحديث، لم تنهض أمة لأنها امتلكت موارد طبيعية وفيرة فحسب، ولم تنهار أخرى لأنها افتقرت إليها. فالواقع الدولي يقدم نماذج لدول محدودة الموارد استطاعت أن تصبح قوى اقتصادية وعلمية مؤثرة، في مقابل دول تزخر بالثروات لكنها بقيت أسيرة الصراعات وسوء الإدارة. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس: ماذا نملك؟ وإنما: كيف نُحسن إدارة ما نملك؟

لقد كشفت الحرب التي اندلعت في السودان هشاشة البنية السياسية والإدارية التي تراكمت عبر عقود، وأثبتت أن الدولة التي لا تُبنى على مؤسسات قوية، ولا تُدار بمنظومة قيم راسخة، تصبح أكثر عرضة للاهتزاز كلما اشتدت الأزمات. ومن ثم فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تُختزل في إعادة بناء الجسور والطرق والمباني، وإنما تبدأ بإعادة بناء فلسفة الحكم نفسها.

إن النهضة ليست مشروع حكومة، بل مشروع دولة. وهي لا تُقاس بطول الطرق المعبدة، ولا بعدد المباني المشيدة، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج الاستقرار، وإرساء العدالة، وإطلاق طاقات المجتمع، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

ولذلك فإن السودان يحتاج اليوم إلى مقاربة جديدة للحكم، تتجاوز ثنائية “العسكري والمدني”، و”الموالاة والمعارضة”، إلى مفهوم أكثر عمقاً، هو الحكم الرشيد باعتباره منظومة متكاملة لإدارة الدولة، تقوم على سيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، والمساءلة، والشفافية، والمشاركة، والعدالة، والاستجابة لمصالح المواطنين.

غير أن الحكم الرشيد، مهما بلغت جودة نصوصه الدستورية، لن يحقق غايته ما لم يستند إلى أدوات سياسية ذات أبعاد قيمية. فالأزمة السودانية لم تكن أزمة مؤسسات فقط، بل كانت أيضاً أزمة ثقافة سياسية؛ حيث طغت الولاءات الضيقة على الانتماء الوطني، وغلب منطق الغلبة على منطق الشراكة، وتقدمت المصالح الحزبية على المصلحة العامة.

إن السياسة، في جوهرها، ليست صراعاً على السلطة، وإنما فن إدارة المصالح العامة وفق منظومة أخلاقية تجعل خدمة الوطن غايتها الأولى. ولهذا فإن أي مشروع وطني للنهضة يجب أن يعيد الاعتبار لقيم النزاهة، والصدق، وتحمل المسؤولية، واحترام الرأي الآخر، والوفاء بالعهد، والالتزام بسيادة القانون، باعتبارها ركائز للعمل السياسي، لا مجرد شعارات انتخابية.

إن بناء دولة حديثة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة ليست خصماً للمواطن، وليست وصياً عليه، وإنما هي الإطار المؤسسي الذي يحمي حقوقه، ويصون حرياته، ويهيئ له فرص التعليم والعمل والإنتاج والإبداع. وفي المقابل، فإن المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمات، بل شريك في صناعة القرار، ومسؤول عن حماية مؤسسات بلاده واحترام القانون.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن النهضة السودانية تقتضي الانتقال من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج. فالسودان يمتلك من الأراضي الزراعية، والموارد المائية، والثروة الحيوانية، والثروات المعدنية، والموقع الجغرافي، ورأس المال البشري، ما يؤهله ليكون أحد أهم الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا والعالم العربي. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى قوة حقيقية إلا إذا اقترنت بإدارة رشيدة، وسياسات مستقرة، وقضاء مستقل، وتشريعات جاذبة للاستثمار، ومكافحة صارمة للفساد، وتوظيف أمثل للموارد العامة.

ولا يقل رأس المال الاجتماعي أهمية عن رأس المال الاقتصادي. فالتنوع الثقافي والإثني والديني الذي يزخر به السودان ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مصدر إثراء حضاري، لا سبباً للصراع. والدول التي نجحت في إدارة تنوعها هي التي استطاعت تحويله إلى قوة ناعمة تعزز وحدتها الوطنية وتزيد من قدرتها على التفاعل الإيجابي مع العالم.

أما السياسة الخارجية، فينبغي أن تُبنى على مبدأ التوازن الاستراتيجي. فالسودان بحكم موقعه الجيوسياسي، وانتمائه العربي والإفريقي، وإشرافه على البحر الأحمر، يمتلك فرصة ليكون جسراً للتعاون، لا ساحة لتصفية الحسابات. ومن ثم فإن المصلحة الوطنية تقتضي إقامة علاقات متوازنة مع جميع الدول، قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعظيم المصالح المشتركة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني وسيادة الدولة.

كما أن إصلاح مؤسسات الدولة ينبغي أن يكون عملية مستمرة، لا استجابة مؤقتة للأزمات. فالإدارة العامة تحتاج إلى ترسيخ مبدأ الجدارة والكفاءة، بعيداً عن المحاصصات والانتماءات الضيقة، لأن الدولة الحديثة لا تُدار بالمجاملات، وإنما بالخبرة والانضباط والقدرة على الإنجاز.

ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح دون استثمار حقيقي في الإنسان. فالتعليم النوعي، والبحث العلمي، والابتكار، والرعاية الصحية، وتمكين الشباب والمرأة، ليست ملفات خدمية فحسب، بل هي استثمارات استراتيجية في مستقبل الدولة. وقد أثبتت تجارب الأمم أن الثروة الحقيقية ليست ما في باطن الأرض، بل ما في عقول البشر.

إن السودان، بعد هذه الحرب، أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر. فالأزمات الكبرى، على قسوتها، كثيراً ما تكون نقطة الانطلاق نحو بناء عقد وطني جديد، تتوافق فيه الإرادات على أن الدولة فوق الأشخاص، وأن المؤسسات فوق الولاءات، وأن القانون فوق الجميع.

إن المقاربة المقترحة لنهضة السودان لا تقوم على استيراد نماذج جاهزة، ولا على استنساخ تجارب الآخرين، وإنما على استلهام المبادئ الكلية للحكم الرشيد، وتكييفها مع الواقع السوداني، بما يراعي خصوصيته التاريخية، وتنوعه الاجتماعي، وطموحات شعبه.

فالنهضة ليست قراراً سياسياً يصدر، ولا برنامجاً حكومياً ينتهي بانتهاء ولاية حكومة، بل هي مشروع حضاري طويل النفس، يبدأ بإصلاح الفكر، وترسيخ القيم، وبناء المؤسسات، وإطلاق طاقات الإنسان.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها السودان إلى محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي هي أن استقراره ليس شأناً سودانياً فحسب، بل ركيزة لاستقرار الإقليم بأسره. فكل جهد يُبذل لترسيخ الحكم الرشيد، وتعزيز السلام، وإنعاش الاقتصاد، وبناء مؤسسات وطنية قوية، هو استثمار في أمن المنطقة، وفي مستقبل أكثر استقراراً وتعاوناً.

إن الطريق إلى نهضة السودان لا يبدأ من سؤال: من يحكم؟ بل من سؤال أكثر عمقاً واستدامة: كيف تُحكم الدولة؟ وعندما تكون الإجابة هي: بحكم رشيد، ومؤسسات قوية، وسيادة قانون، وسياسة أخلاقية، ومواطن فاعل، فإن النهضة لن تكون حلماً مؤجلاً، بل مشروعاً قابلاً للتحقق.

Exit mobile version