بالكاد تهدأ أزمة الوقود في السودان، تفتح بين كل وقت وحين أبوابها للرياح، فتُطل علينا أزمات تبدو مفتعلة أحياناً، تُدار في الغرف المغلقة وبعض الدوائر الساعية للربح السريع. آخر هذه الأزمات كانت العاصفة المنظمة حول ما سُمي بـ “احتكار استيراد وقود الطائرات (JET A-1) والفيرنس (Fuel Oil)”.
أمس الأول أصدرت وزارة الطاقة والنفط منشوراً صحفياً أعلنت فيه “فك الاحتكار” وفتح الباب أمام جميع الشركات، بمنحها الفرصة لاستيراد منتجي الجت A1 (غاز الطائرات) والفيرنس، تأكيداً على مبدأ الشفافية وإتاحة الفرص العادلة في سوق المحروقات، وفقاً للبيان، وذلك بعد موافقة بنك السودان المركزي لإصدار الخطابات والضمانات المالية الخاصة بـ (200 كيلو جرام من الذهب) للمجموعات المستوردة، على ان لاتزيد المجموعة عن أربعة شركات حسب الضوابط المتبعة في استيراد المحروقات.
ولكن، بعيداً عن الشعارات البراقة ومصطلحات “الشفافية وتوسيع المشاركة”، فإن قراءة متأنية في واقع سوق النفط المعقد، والبحث في النصوص والمستندات التشغيلية، يكشفان عن حقيقة مغايرة تماماً، وربما تكون مفاجئة، إذ لم يكن ثمة احتكار بالمعنى الاقتصادي أو القانوني، وما جرى ويجري ليس إلا تخبطاً وإرجاعاً للسوق إلى مربع الفوضى والمضاربات، تحديداً عبر قرارات تُنسف شهرياً وتفتح منافذ جديدة للسماسرة و”الجوكية”.
تستند دعاوى “الاحتكار” إلى فكرة مغلوطة مفادها أن الاستيراد كان حصرياً على شركة بعينها (شركة بترونور للطاقة). غير أن المستندات والعقود الموثقة لدى وزارة العدل، والمناقصات المحدودة التي جرت بعلم وزارات المالية والدفاع والطاقة، تشير إلى أن العقود المبرمة لم تتضمن أي نص يمنح بترونور حصرية الاستيراد، وإنما كان الباب باباً مفتوحاً لأي شركة تمتلك الكفاءة والقدرة على التوريد بالشروط المطلوبة.
عندما طُرحت الحاجة لاستيراد وقود الطائرات والفيرنس، قدمت بعض الجهات عروضاً خيالية تراوحت بين 2.00 و 2.50 دولار للتر وقود الطائرات، بالمقابل قدمت بترونور سعراً تنافسياً بلغ 0.88 دولار للتر. أما في وقود الفيرنس، فقد بلغ عرض إحدى الشركات 88 مليار جنيه للشحنة، مقابل 55 مليار جنيه من بترونور.
بحسب المعلومات فقد اعتمدت بترونور على التعامل المباشر مع الموردين الكبار في الأسواق العالمية دون وسطاء، وهو ما ألغى العمولات الهامشية التي تقتطعها شبكات التنسيق والسماسرة، ونفذت (9) شحنات استراتيجية في أحلك الظروف، وتحت دخان المعارك، وحينما تعرضت المستودعات للتدمير بمسيرات المليشيا المتمردة وفقدت الشركة جراء ذلك أكثر من 10 ملايين لتر من الوقود، ناهيك عن تحملها مخاطر تذبذب سعر الصرف وطول الدورة المستندية وتأخر السداد بالجنيه مقابل الالتزام بالدولار للخارج، فهل يُسمى من يسد الفجوة السيادية بأقل التكاليف وتحت النار “محتكِراً”، أم يُعدّ سنداً وطنياً في زمن الحرب؟!
لكي نفهم خطورة القرارات الأخيرة، يجب أن نعود إلى تجربة مايو 2025م، عندما فُتح سوق الاستيراد لـ (39) شركة دفعة واحدة تحت ذريعة “المنافسة الحرة”. ماذا كانت النتيجة؟ عجزت غالبية هذه الشركات عن تأمين الخطوط التمويلية المباشرة من البنوك أو الموردين الخارجيين، فيما لجأت شركات لا تمتلك القدرة على الوفاء بالالتزامات، إلى تجار العملة والسوق الموازي لتأمين النقد الأجنبي، مما أدى إلى مضاربات شرسة على الدولار أضرت بالعملة الوطنية ورفعت أسعار الصرف لمستويات قياسية.
معادلة الربح المضاعف
وهي تكلفة إضافية باهظة تُحمل في النهاية على سعر اللتر النهائي الذي يدفعه المواطن وتتحمله خزينة الدولة، كما أن الشخص أو التاجر الذي يغامر بالاستدانة أو بيع أصوله لاستيراد باخرة وقود، حينما يصطدم بصعود الدولار وارتفاع تكاليف التشغيل البحرية، لن يبيع بسعر السوق التنافسي، مؤكد سيلجأ فوراً إلى تخزين السلعة واحتكارها فعلياً انتظاراً لارتفاع الأسعار لتعويض خسائره، مما أحدث عطشاً في السوق واضطراباً في الإمداد.
من المهم الإشارة إلى أن بيان الوزارة الأخير جاء ليشترط تكتل الشركات في مجموعات (لا تزيد عن 4 شركات) لتقديم ضمانات بنكية (من بينها ضمانة الذهب)، وهنا الظاهر من القرار هو التنظيم، لكن الباطن ينطوي على عشوائية وانتكاسة خطيرة، إن لم يتم ضبطه، من بينها إعادة إحياء “الشركات الكرتونية” لأن هذا النظام يتيح للشركات الضعيفة التي لا تمتلك قدرة مالية ولا خبرة فنية أن “تتأبط” بصورة صورية بشركة واحدة مؤهلة، لتأمين الدخول في المناقصة، ثم تسليم أمر التمويل والتسعير لشبكات السماسرة و”الجوكية”.
وهنا يظهر غياب الرؤية الفنية لمتخذ القرار، حيث تُدار هذه الملفات المعقدة بقرارات وضوابط متغيرة كل صباح، تخرج من اجتماعات و”دردشات عابرة” في مكاتب كبار المسؤولين وأحياناً أعضاء مجلس السيادة الذين لا صلة لغالبهم بالشؤون الاقتصادية والتخصصية الفنية، أو تحت تأثير “لوبيهات” الأصدقاء والمصالح الضيقة، مع الأخذ في الاعتبار أن تنظيم السلع السيادية يتطلب ثباتاً في التشريعات ووضوحاً في الرؤية.
من الناحية الاقتصادية والرقابية المتبعة عالمياً فإن الاحتكار يعني الانفراد المطلق بالسوق والتحكم في الأسعار بعيداً عن أي رقابة، لكن الواقع في ملف المحروقات بالسودان كان يعتمد على وجود شركات مؤهلة ذات ملاءة حقيقية، بحصص محددة، وهامش ربح مقيد ومحسوب، وتخضع للجان رقابة وزارية وصارمة، ولذلك فإن ضبط السوق وحصر النقد الأجنبي عبر بنك السودان المركزي، واشتراط ضمانات حقيقية، ليس تضييقاً على المنافسة ولا حماية لاحتكار، هو بالضبط يمكن وصفه بأنه درع حماية لسلعة سيادية وحيوية من أيدي الطامعين في الثراء السريع الذين يتعاملون مع وقود الطائرات والفيرنس وكأنها بضائع هامشية يُمكن المضاربة بها في السوق الأسود.
ما كان يحدث في ملف الدقيق، ومحاولة شركة سين للغلال ترجيح الكفة لصالح الدولة، يجب أن تقوم بها شركات أخرى وطنية في مجال الوقود، لديها الخبرة والمقدرة والكفاءة، ولذلك فإن شركة بترونور وغيرها من الشركات الوطنية الجادة قدمت نموذجاً للتوريد المباشر بأقل الأسعار وأعلى درجات التنسيق في أوقات الشدة، فهل تريد الوزارة العودة مرة أخرى، والتخلي عن شروط وضوابط الاستيراد وترك المجال نهباً للفوضى؟


















