لم تعد حرب السودان مجرد مواجهة محلية أو إقليمية، بل تحولت إلى سوق مفتوحة لـ “شركات الأمن الخاصة” والمرتزقة العابرين للقارات.
تحقيق استقصائي موسع، تستند فيه ” نبأ السودان”إلى وثائق وسجلات شركات دولية وبيانات تتبعتها صحيفة “إل باييس” الإسبانية ومنظمات حقوقية، يكشف الستار عن تدفق مقاتلين من أمريكا اللاتينية (كولومبيا والسلفادور) للقتال في صفوف قوات الدعم السريع، وإدارة أسلحة نوعية كالمسيرات والمدفعية الثقيلة، برعاية شبكات مالية ولوجستية معقدة تمتد من أبوظبي وبوغوتا إلى دارفور وليبيا والصومال.
1. الفخ الإلكتروني: من وظائف غامضة إلى “جحيم” دارفور
تبدأ الحكاية بإعلانات توظيف مبهمة تُنشر على الإنترنت؛ ففي سبتمبر 2024، رصدت مصادر استقصائية إعلانات تطلب “طيارين لطائرات بدون طيار (مسيرات)” للعمل في أفريقيا، مقابل رواتب مغرية تتراوح بين *2500 إلى 3000 دولار أمريكي شهرياً، شاملة السكن والمواصلات والتأمين الصحي.
لكن خلف هذا الستار التجاري، كانت تختبئ رحلة عسكرية تبدأ من العاصمة الكولومبية بوغوتا وتنتهي في جبهات القتال الملتهبة بالسودان. وبمجرد وصول هؤلاء المتعاقدين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، يتم توقيع عقد ثانٍ مع “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية” (شركة إماراتية تأسست عام 2016 ترتبط بمسؤولين نافذين في الديوان الرئاسي الإماراتي)، قبل نقلهم إلى وجهتهم الأخيرة.
2. ممرات الإمداد السرية: الخريطة الكاملة للرحلة
تكشف التحقيقات عن تبدل ديناميكيات نقل المرتزقة بعد أن أصبح ممر “شرق ليبيا” مكشوفاً للإعلام. اليوم، تعتمد الشبكة على مسارين رئيسيين لنقل المقاتلين اللاتينيين إلى “نيالا” عاصمة جنوب دارفور، المعقل الرئيسي لقوات الدعم السريع:
المسار الأول: بوغوتا ← باريس ← دبي ← أبوظبي (حيث يتلقى المقاتلون تدريبات أولية في قاعدتي “غياثي” و”الوثبة” العسكريتين).
المسار الثاني (الممر الإفريقي):* مدريد ← أديس أبابا (إثيوبيا) ← *قاعدة بوصاصو (بونتلاند، الصومال)* ← الكفرة (ليبيا) ← ثم الدخول إلى نيالا بالسودان، مع بؤرة إسناد موازية في نجامينا (تشاد).
موقع التدريب النوعي: تشير التقارير إلى أن قاعدة *بوصاصو في الصومال* باتت مركزاً سرياً لتلقي المرتزقة تدريبات متقدمة على قيادة وتوجيه الطائرات المسيّرة، في حين تُستخدم قاعدة الكفرة الليبية لتدريبات ميدانية أخرى.
3. “ذئاب الصحراء” في الميدان: مسيرات، مدفعية، وتجنيد قاصرين
في الميدان السوداني، وتحديداً في إقليم دارفور، عُرف هؤلاء المقاتلون باسم “ذئاب الصحراء”. ووفقاً لشكاوى رسمية قدمتها البعثة السودانية لدى الأمم المتحدة، لم يقتصر دور المتعاقدين اللاتينيين على الاستشارة، بل شمل:
1. العمليات الهجومية المباشرة:تشغيل الطائرات المسيرة، المدفعية الثقيلة، والمركبات المدرعة.
2. التدريب العسكري: نقل الخبرات القتالية لمقاتلي الدعم السريع، بما يشمل تجنيد وتدريب القاصرين.
3. الحرب النفسية: التنسيق والإشراف على الحملات الدعائية والعمليات الإعلامية للميليشيا.
وبجانب الكولومبيين، دخلت عناصر من “السلفادور” على خط المواجهة؛ حيث أكدت مصادر ميدانية مصرع عدد من المقاتلين السلفادوريين خلال معارك السيطرة على مدينة الفاشر في المحاولات الهجومية لقوات الدعم السريع.
4. غطاء “طبي” وإنساني مزعوم
في محاولة لشرعنة وجود هؤلاء الأجانب، رصدت المصادر تورط بعض المتعاقدين في مشاريع لإعادة ترميم وتجهيز ثلاثة مستشفيات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. ورغم أن القصف الجوي في نيالا عرقل هذه الخطط، إلا أن مسؤولين صحيين تسيطر عليهم الميليشيا أقروا لوسائل إعلام دولية بالانفتاح على “استجلاب خبراء أجانب” تحت لافتة تقديم الخدمات وبناء الاستراتيجيات، وهي الذريعة التي تُستخدم كغطاء لوجود الفنيين والعسكريين الأجانب.
5. العقوبات الأمريكية.. ملاحقة شبكات “الفينيكس”
أمام هذا التدفق، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في ديسمبر 2025 عقوبات مشددة على أربعة أشخاص وأربعة كيانات متورطة في هذه الشبكة العابرة للحدود، من بينها منظمة (A4SI). وفي منتصف أبريل من العام الجاري (2026)، وسعت واشنطن نطاق العقوبات لتشمل خمسة كيانات وأفراد إضافيين، من بينهم شركة *Fénix*، وهي الواجهة البديلة التي أسستها الشبكة للالتفاف على العقوبات والتحايل على الرقابة المالية الدولية لمواصلة تجميع المرتدقة.
6. دافع اليأس: تيك توك كمنصة للتجنيد
رغم الفظائع والانتهاكات الممنهجة المنسوبة لقوات الدعم السريع في دارفور والفاشر، والتي وصفتها بعثات أممية بأنها ترقى إلى “مؤشرات إبادة جماعية”، تضج منصات التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك) بمقاطع فيديو لقدامى المحاربين الكولومبيين يعربون فيها عن رغبتهم في السفر إلى السودان.
يعود ذلك بالأساس إلى تردي الأوضاع الاقتصادية للمتقاعدين العسكريين في أمريكا اللاتينية؛ حيث علق أحدهم قائلاً: “بعد التقاعد، من شبه المستحيل الحصول على وظيفة جيدة”، بينما كتب آخرون: “جاهزون للذهاب إلى أي مكان”، مما يوضح كيف تحول بؤس المقاتلين السابقين في كولومبيا إلى وقود للحرب الأهلية السودانية التي خلّفت أكبر أزمة إنسانية في العالم حالياً.
خاتمة التحقيق:
تواصلت الصحافة الدولية مع المكتب الصحفي لقوات الدعم السريع للحصول على تعليق حول هذه الأدلة الموثقة، إلا أن الميليشيا التزمت الصمت كالعادة. تظل جبهات دارفور شاهدة على أن السلاح الذي يقتل السودانيين لم يعد محلياً فحسب، بل يُدار بأيدي مرتزقة يقطعون آلاف الأميال من خلف المحيطات بحثاً عن دولارات مغموسة بالدماء.















