الأسعار تتسارع في السودان.. الغذاء يقود موجة الغلاء والمدن الأكثر تأثراً

final to clinet Recovered قوالب أخبار عادية نموذج مقاس موقع إطار احترافي بدون نص copy 1

 

%3.32ارتفاعاً شهرياً مقابل 1.47% في يوليو.. وتضخم المدن يبلغ 38.05%

تقرير: انتصار فضل الله

هل تعكس نسبة التضخم السنوية البالغة 26.14 في المائة وحدها حقيقة ما جرى للأسعار في السودان خلال أغسطس الماضي ؟ سؤال تفرضه أرقام الجهاز المركزي للإحصاء، بعدما ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بنسبة 3.32 % خلال شهر واحد، مقابل 1.47 %في يوليو 2026، بينما قفزت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 8.39 % خلال الشهر نفسه.

 

وتكشف البيانات أن المستوى العام لأسعار السلع والخدمات في اغسطس كان أعلى بنسبة 26.14 في المائة من مستواه في أغسطس 2025، فيما بلغ التضخم السنوي في المناطق الحضرية 38.05 %، مقابل 19.26 % في المناطق الريفية، بفارق 18.79 نقطة مئوية.

ويعتمد الجهاز المركزي للإحصاء في قياس التضخم على سلة تضم 663 سلعة وخدمة موزعة على 12 مجموعة استهلاكية. لكن المعدل العام لا يبدو كافياً وحده لشرح ما يحدث في الأسواق؛ فخلف الرقم السنوي، سجلت سلع أساسية زيادات شهرية حادة انعكست مباشرة على ميزانيات الأسر.

الغذاء في الواجهة

كان الغذاء في مقدمة محركات ارتفاع الأسعار خلال أغسطس، إذ ارتفع الرقم القياسي لمجموعة الأغذية والمشروبات بنسبة 8.39 % خلال شهر واحد، بعدما سجلت المجموعة تراجعاً بنسبة 0.68 % في يوليو.

وبحسب نجاة عبد العاطي حسن طه، رئيس قسم الأرقام القياسية بالجهاز المركزي للإحصاء، ارتفعت أسعار الزيوت والدهون بنسبة 17.91% والخبز والحبوب بنسبة 12.73 %، والخضراوات بنسبة 12.27%، والبن والشاي بنسبة 8.19% والسكر بنسبة 5.26 % خلال أغسطس.

وتابعت في افادة ل” نبأ السودان ” إمتدت الزيادات إلى مجموعات أخرى، بينها الملابس والأحذية، والتجهيزات والمعدات المنزلية، والصحة، والنقل، والاتصالات، والمطاعم والفنادق، والتعليم والترويح والثقافة.

وقالت بلغ التضخم السنوي لمجموعة الأغذية والمشروبات 20.68 % في أغسطس مقارنة بمستواه في الشهر نفسه من العام السابق، ما يضع الغذاء بين أبرز مصادر الضغط على الأسر، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة الاحتياجات الأساسية.

المواطن يدفع الفاتورة

في الأسواق، تتحول هذه النسب إلى قرارات يومية تتخذها الأسر تحت ضغط محدودية الدخل وارتفاع تكلفة المعيشة.

وتصف المواطنة سمية الصديق لـ«نبأ السودان» أثر الزيادات المتكررة في أسعار السلع على ميزانية الأسرة، قائلة إنها دفعتها إلى تقليص كميات الشراء والاستغناء عن بعض الأصناف، موضحة أن دخل الأسرة لم يعد يواكب تكلفة الاحتياجات الأساسية.

وتضيف أن المشكلة لا ترتبط بارتفاع سعر سلعة بعينها، وإنما بتزامن زيادات متعددة تجعل الأسرة مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، خصوصاً في الغذاء والاحتياجات اليومية.

أما الموظف كمال الزين، فيلفت لـ«نبأ السودان» إلى أن ارتفاع تكلفة المعيشة لا يتوقف عند أسعار السلع، بل يمتد إلى المواصلات والخدمات، ما يجعل أي زيادة جديدة في الأسعار مؤثرة مباشرة في ميزانية الأسرة.

وتعكس إفادات المواطنين جانباً من الفارق بين الرقم العام للأسعار وتجربة المستهلك اليومية؛ فالمواطن لا يتعامل مع معدل التضخم السنوي بوصفه رقماً مجرداً، وإنما مع أسعار ما يشتريه يومياً، وتكلفة انتقاله، والخدمات التي يحتاج إليها.

المدينة تدفع أكثر

وتظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء تفاوتاً واضحاً بين الحضر والريف؛ إذ بلغ التضخم السنوي في المدن 38.05 في المائة، مقابل 19.26 في المائة في المناطق الريفية.

ووفقاً لمختصين في الاقتصاد، لا تعني هذه النسبة أن أسعار جميع السلع في المدن أعلى من الريف بالمقدار نفسه، وإنما تعكس اختلاف معدل تغير المستوى العام للأسعار بين المنطقتين خلال عام حتى أغسطس، في ظل تفاوت تكاليف النقل والتوزيع والخدمات وتوافر السلع.

ويكتسب هذا الفارق أهمية بالنسبة إلى الأسر الحضرية التي تعتمد بدرجة أكبر على شراء السلع والخدمات من الأسواق، بينما تختلف أنماط الاستهلاك وتكاليف الحصول على بعض المنتجات في المناطق الريفية.

سعر الصرف يحرك السوق

ويضع الدكتور العالم عبد الغني، المسؤول السابق بالجهاز المركزي للإحصاء والخبير الاقتصادي، تقلب سعر الصرف في مقدمة العوامل الضاغطة على الأسواق، خصوصاً مع اعتماد جزء من السلع ومدخلات الإنتاج على الاستيراد.

وبحسب إفادته لـ«نبأ السودان»، فإن ارتفاع الدولار يرفع تكلفة السلع المستوردة، قبل أن ينتقل أثره إلى الوقود والنقل والترحيل والتوزيع، بما يدفع التجار إلى تعديل الأسعار.

ويشير إلى أن بعض التجار قد يتوقفون مؤقتاً عن البيع عند حدوث قفزات في سعر الصرف، انتظاراً لاستقرار التكلفة الجديدة، وهو ما يزيد اضطراب حركة الأسواق ويجعل التسعير أكثر حساسية لتقلبات العملة.

ويضيف عبد الغني أن تحسن الأمن والإنتاج وحركة السلع بين الولايات يمكن أن يساعد في الحد من الضغوط السعرية، في وقت يظل فيه استقرار السوق مرتبطاً بتوافر السلع وتكلفة وصولها إلى المستهلك.

الإنتاج قبل النقد

ومن زاوية أخرى، يلفت الدكتور محمد خير، أستاذ الاقتصاد بجامعة أم درمان الإسلامية، إلى أن معالجة التضخم لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات النقدية وحدها، معتبراً أن زيادة الإنتاج وتوفير السلع بأسعار معقولة يمثلان مدخلاً أساسياً لخفض الضغوط السعرية.

ويحمل في إفادته لـ«نبأ السودان» الرسوم والجبايات جزءاً من مسؤولية ارتفاع تكلفة الإنتاج والتداول، بينما يؤدي اتساع حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك إلى زيادة تكلفة السلع، داعياً إلى آليات تسمح بانتقال المنتجات من المزرعة والمصنع إلى الأسواق بصورة أكثر مباشرة.

ويربط خير بين تكلفة الوقود وحركة الأسعار، موضحاً أن ارتفاع تكلفة الوقود يرفع أسعار النقل، ومن ثم تكلفة انتقال المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، بما ينعكس على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

ويضيف أن مواجهة التضخم في السودان تتطلب حزمة متكاملة تشمل تحفيز الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعة التحويلية، وتقليل الأعباء والجبايات غير المنصوص عليها قانوناً، إلى جانب إصلاح السياسات الاقتصادية والنقدية المؤثرة في سعر الصرف وتكاليف الاستيراد.

ما وراء الرقم

تضع أرقام أغسطس مستويين مختلفين لحركة الأسعار أمام صانع القرار والمستهلك: فمعدل التضخم السنوي البالغ 26.14 في المائة يقيس التغير في المستوى العام للأسعار بين أغسطس 2025 وأغسطس 2026، بينما تعكس نسبة 3.32 ما حدث داخل أغسطس نفسه مقارنة بيوليو.

ولا يعني انخفاض معدل التضخم السنوي انخفاض الأسعار؛ إذ يمكن للأسعار أن تواصل الارتفاع من شهر إلى آخر، وهو ما تؤكده زيادة الرقم القياسي العام بنسبة 3.32 % وارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 8.39 % خلال أغسطس.

وفي النهاية، لا يختبر المواطن التضخم كنسبة سنوية، وإنما كتكلفة يومية للغذاء والمواصلات والخدمات، وهي الكلفة التي تحدد فعلياً مقدار ما يتبقى من دخل الأسرة.

Exit mobile version