في سوق الأسماك بالخرطوم.. أزمة تبدأ من الإدارة ولا تنتهي عند سلامة الغذاء

في المكان الذي يفترض أن تبدأ منه رحلة الأسماك إلى موائد سكان الخرطوم، تبدأ رحلة أخرى من الأسئلة: أين تذهب مياه الصرف؟ من يراقب بيئة التداول؟ من يحدد الرسوم التي يدفعها المنتجون والتجار؟ ومن يدير السوق، وبأي معايير؟

داخل «السوق المركزي للأسماك» بالخرطوم، تتراكم مؤشرات الخلل، وفق غرفة منتجي الأسماك، من مياه صرف ومخلفات أسماك، إلى مساطب عرض متضررة ومنشآت شُيدت بصورة عشوائية، فضلاً عن نقص المياه والإضاءة وتعدد الرسوم والتحصيلات. وتقول الغرفة إن هذه الأوضاع تتجاوز نقص الخدمات إلى مخاطر تمس سلامة الغذاء وبيئة العمل.

ويقع السوق بمحاذاة حرم السكة حديد وبالقرب من جامعة إفريقيا العالمية، ويُعد أحد المنافذ الرئيسية لتداول الأسماك في العاصمة. ولذلك فإن أي خلل في بيئة العمل داخله لا يبقى محصوراً بين جدرانه، بل يمكن أن يمتد أثره إلى المنتج والتاجر والمستهلك.

موقع مؤقت

بحسب غرفة منتجي الأسماك، لم يكن الموقع الحالي هو الخيار الأصلي للسوق، وإنما جاء بعد إزاحة السوق من موقعه السابق باعتباره حلاً مؤقتاً.

وتقول الغرفة إن إنشاء الموقع تم بمشاركة الولاية والمحلية، إلى جانب مساهمتها بنحو ثلث تكلفة الإنشاء، قبل أن تتولى إدارة السوق لسنوات.

لكن اندلاع الحرب في أبريل 2023 غيّر مسار الإدارة، وفق إفادات الغرفة، التي تقول إن العطاءات الرسمية أُلغيت خلال فترة الحرب، قبل أن تُسند محلية الخرطوم إدارة السوق إلى جهات من خارج القطاع، من دون طرح عطاءات جديدة أو إشراك المنتجين وأصحاب المصلحة في عملية الإدارة.

وأثار هذا الوضع، بحسب الغرفة، اعتراضات وسط الصيادين والمنتجين، الذين يرون أن إدارة سوق متخصص لا تنفصل عن معرفة تفاصيل النشاط وسلسلة الإمداد المرتبطة به.

بيئة مقلقة

في الداخل، تتحدث غرفة المنتجين عن تدهور في البيئة الصحية والهندسية للسوق.

وتشير إلى إنشاء دورات مياه في مواقع قريبة من أماكن إنزال الأسماك وتفريغ الشاحنات، إلى جانب أعمال بناء وجدران مستحدثة تقول إنها حدّت من التهوية داخل الموقع.

أما المشكلة الأكثر إلحاحاً، فتتمثل، وفق إفادات الغرفة، في تراكم مياه الصرف والأوساخ ومخلفات الأسماك، فضلاً عن تضرر مساطب العرض.

وتقول الغرفة إن السوق يفتقر كذلك إلى المياه الصالحة للاستخدام والإضاءة الكافية، ما يزيد من صعوبة توفير بيئة مناسبة لتداول منتج سريع التلف.

وهنا يبرز السؤال المتعلق بالرقابة: من المسؤول عن التأكد من أن الأسماك التي تمر عبر السوق تُتداول في ظروف تستوفي الاشتراطات الصحية اللازمة؟

رسوم بالجملة

إلى جانب الجانب البيئي، تفتح الرسوم والتحصيلات ملفاً اقتصادياً آخر.

وتقول غرفة منتجي الأسماك إن أكثر من 12 مسمى للرسوم والتحصيلات تُفرض داخل السوق، وتشمل الشاحنات والعمال والترابيز والمساطب ودورات المياه وحتى أماكن المبيت.

وترى الغرفة أن تعدد الرسوم يرفع تكلفة النشاط على المنتجين والتجار، وقد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الأسماك التي يدفعها المستهلك.

وفي سوق يعتمد على حركة يومية تبدأ بوصول الأسماك وتنتهي بتصريفها سريعاً، فإن أي زيادة في التكلفة أو تأخير في التداول يمكن أن يتحول إلى خسارة مباشرة للمنتج والتاجر.

باعة داخل السوق

وتشير الغرفة كذلك إلى انتشار الباعة المتجولين داخل أروقة السوق، وتقول إن وجودهم يتم بموجب تصاريح ورسوم تصدرها الإدارة الحالية.

ويرى منتجو الأسماك أن هذا التوسع في الأنشطة داخل السوق ساهم في زيادة الازدحام، وأفقد الموقع جزءاً من طبيعته كمرفق متخصص لتداول الأسماك.

لكن القضية تظل بحاجة إلى إجابات بشأن طبيعة هذه التصاريح، والجهة التي تمنحها، ومدى توافق الأنشطة الناتجة عنها مع الوظيفة الأساسية للسوق.

من يدير؟

السؤال الإداري هو الأكثر حضوراً في الأزمة.

فغرفة المنتجين لا تعترض فقط على ظروف العمل، وإنما تطالب بمراجعة الطريقة التي أُسندت بها إدارة السوق، وإعادة أصحاب الاختصاص والمصلحة إلى واجهة إدارة النشاط.

وتستند الغرفة في موقفها إلى أن القطاع يمتلك خبرة في حلقات سلسلة الأسماك، من قوارب الصيد والنقل إلى التخزين المبرد والعمالة والتسويق.

وبالنسبة للمنتجين، فإن إبعاد أصحاب القطاع عن إدارة سوق متخصص كهذا قد يعني، في نظرهم، اتخاذ قرارات تتعلق بالنشاط من دون الاستفادة الكاملة من خبرة العاملين فيه.

تهديد بالإخلاء

لم تعد الغرفة تتحدث فقط عن تحسين الخدمات.

ففي حال استمرار الوضع الحالي، تلوّح باحتمال توقف المنتجين والصيادين عن توريد الأسماك إلى السوق والبحث عن مواقع أخرى.

مثل هذا السيناريو، إذا حدث، لن يكون مجرد خلاف إداري بين المنتجين وإدارة السوق، إذ إن خروج الموردين الرئيسيين قد يؤثر في إحدى حلقات إمداد العاصمة بالأسماك، ويفتح الباب أمام اضطراب حركة التداول أو ارتفاع التكلفة.

لكن قبل الوصول إلى هذه المرحلة، تظل هناك أسئلة تحتاج إلى إجابات من الجهات المختصة: ما الجهة المسؤولة عن إدارة السوق؟ ما الأساس الذي استندت إليه الإدارة الحالية؟ أين تذهب الرسوم والتحصيلات؟ من يتولى الرقابة الصحية؟ وهل المنشآت الموجودة داخل السوق مستوفية للاشتراطات الخاصة بتداول الأسماك؟

هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بحقوق المنتجين أو إدارة مرفق اقتصادي، بل بسلعة غذائية سريعة التلف تصل مباشرة إلى مائدة المواطن.

وبينما تطالب غرفة منتجي الأسماك بإعادة النظر في إدارة السوق ومعالجة وضعه البيئي والخدمي، يبقى الرد الرسمي من الجهات المحلية والتنفيذية والجهات المختصة بالصحة والرقابة على الأغذية ضرورياً لحسم ما إذا كانت المخالفات الموصوفة قائمة، وما الإجراءات المتخذة لمعالجتها.

فالسوق الذي يبدأ فيه مسار السمكة إلى المستهلك لا يمكن أن تكون سلامته مسألة ثانوية؛ لأن الخلل في هذه الحلقة قد لا يتوقف عند حدود السوق، بل قد يصل إلى صحن المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار ذات صلة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist