بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب المعالي والسعادة، السيد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، السادة ممثلو حكومة السودان، السيد والي ولاية البحر الأحمر، أصحاب السعادة السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية، ممثلو المنظمات الإقليمية والدولية، السادة رؤساء الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث، العلماء والباحثون والخبراء وممثلو المؤسسات الاقتصادية والتنموية، السيدات والسادة الحضور الكريم.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يسعدني، باسم مركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي، أن أرحب بكم في افتتاح منتدى بورتسودان الدولي للأمن والتنمية، والندوة الدولية حول القرن الأفريقي، وأن أعرب عن بالغ تقديرنا لكل من لبّى هذه الدعوة وشاركنا في هذا اللقاء، إيماناً بأهمية الحوار العلمي والاستراتيجي في مواجهة التحديات المشتركة، واستكشاف فرص التعاون، وبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً لشعوب منطقتنا.
كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى حكومة السودان، وحكومة ولاية البحر الأحمر، وجميع المؤسسات والشخصيات الوطنية والدولية التي أسهمت في إنجاح هذا المنتدى، وإلى ممثلي الدول الشقيقة والصديقة، والبعثات الدبلوماسية، ومراكز الفكر والجامعات، والمنظمات الإقليمية والدولية، والقطاع الخاص، الذين يضيف حضورهم إلى هذا اللقاء تنوعاً في الرؤى والخبرات، وفرصة حقيقية لتأسيس شراكات تتجاوز حدود المشاركة في الفعاليات إلى العمل المشترك طويل الأجل.
إننا لا نجتمع اليوم لمجرد عقد مؤتمر أو تبادل أوراق علمية، وإنما نجتمع حول قضية استراتيجية تمس مستقبل السودان، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وتتصل بأمن الدول واستقرار المجتمعات، ومستقبل الاقتصاد الإقليمي، ومكانة منطقتنا في النظامين الإقليمي والدولي.
لقد أصبح القرن الأفريقي والبحر الأحمر من أكثر المجالات الجيوسياسية أهمية في العالم، بفعل موقعهما الرابط بين أفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا، وأهميتهما لحركة التجارة الدولية والملاحة البحرية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن الموارد والإمكانات البشرية والطبيعية التي تمتلكها دول الإقليم.
غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية تقترن بتحديات معقدة، تشمل النزاعات المسلحة، وتنافس المصالح الإقليمية والدولية، والهشاشة الاقتصادية، والأزمات الإنسانية، وانعدام الأمن الغذائي، والتغيرات المناخية، والضغوط المتزايدة على الموارد والبنى التحتية.
وهنا تبرز المسألة الجوهرية التي يسعى منتدانا إلى مناقشتها: كيف يمكن تحويل الأهمية الجيوسياسية للقرن الأفريقي والبحر الأحمر من مصدر للتنافس وعدم الاستقرار إلى رافعة للتعاون الإقليمي والتنمية المستدامة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تجاوز المقاربات الجزئية، وبناء رؤية متكاملة تربط بين الأمن والسلام، والسياسة بالتنمية، والاقتصاد بالتكامل الإقليمي، والبحث العلمي بصناعة القرار. كما تتطلب الاعتراف بأن التحديات العابرة للحدود لا يمكن معالجتها بجهد دولة واحدة أو مؤسسة منفردة، بل من خلال تعاون منظم يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وتبادل المعرفة والخبرات.
ومن هذا المنطلق، فإن منتدى بورتسودان يمثل مساحة للحوار الاستراتيجي المسؤول، وفرصة لتقريب وجهات النظر، وتطوير تصورات عملية تساعد على فهم التحولات الإقليمية، واستشراف المخاطر، وتحديد مجالات التعاون القابلة للتنفيذ.
إن اختيار بورتسودان لاستضافة هذا المنتدى ليس اختياراً مكانياً فحسب، بل يحمل دلالة استراتيجية مهمة؛ فبورتسودان تمثل بوابة السودان البحرية، ونقطة ارتكاز مهمة للاتصال بالعالم، ونافذة حيوية للأسواق الدولية، ومركزاً يمكن أن يؤدي دوراً متنامياً في الحوار الاستراتيجي الإقليمي، وملتقى للمبادرات البحثية والتنموية التي تربط السودان بمحيطه الأفريقي والعربي والدولي.
ونطمح من خلال هذا المنتدى إلى الإسهام في ترسيخ هذا الدور، وفتح مسارات جديدة للتواصل بين المؤسسات السودانية ونظيراتها الدولية، وتشجيع الشراكات في مجالات البحث العلمي، والتعافي الاقتصادي، والأمن الغذائي، وإعادة الإعمار، وتطوير الموانئ، والخدمات اللوجستية، وتعزيز السلام والاستقرار الإقليمي.
إننا نريد لبورتسودان أن تكون مكاناً تُناقش فيه قضايا المنطقة بعمق استراتيجي مفتوح، وتُطرح فيه الأفكار بحرية ومسؤولية، وتُبنى فيه جسور التعاون على أساس المعرفة والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
أصحاب المعالي والسعادة،
لقد كان منطلق مركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي في تنظيم هذا المنتدى هو إدراك الحاجة إلى فضاء بحثي واستراتيجي يجمع بين المعرفة وصناعة السياسات، ويتيح التفاعل بين الخبرة الأكاديمية والرؤية الدبلوماسية والاحتياجات التنموية.
فنحن نؤمن بأن مراكز الدراسات والبحوث ليست مجرد مؤسسات لإنتاج الأوراق العلمية، بل يمكنها أن تؤدي دوراً مهماً في فهم التحولات الجيوسياسية، وتحليل أسباب النزاعات، وتقييم المخاطر، وتطوير أدوات الإنذار المبكر، واستشراف السيناريوهات المستقبلية، وتقديم خيارات مدروسة أمام المؤسسات المعنية.
ومن هذا المنطلق، يسعى المركز إلى تعزيز البحث العلمي المتخصص في السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتطوير الحوار بين الباحثين والدبلوماسيين وصناع القرار والفاعلين الاقتصاديين والقطاع الخاص، وإنتاج معرفة تطبيقية تساعد على فهم التحديات وتحديد فرص التعاون.
كما نحرص على أن تكون أعمالنا قائمة على التحليل الموضوعي، والاستقلالية البحثية، وتعدد وجهات النظر، واحترام الحقائق والأدلة، بعيداً عن التبسيط أو الأحكام المسبقة التي لا تساعد على فهم الواقع المعقد لمنطقتنا.
إننا ندرك أن المعرفة وحدها لا تنهي النزاعات، وأن البحث العلمي لا يحل محل المسؤولية السياسية والدبلوماسية، لكنه يوفر أساساً مهماً لفهم المشكلات، وتحسين القرارات، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام أصحاب المصلحة.
ولهذا، فإننا ننظر إلى هذا المنتدى بوصفه جسراً بين البحث والسياسات، وبين الحوار والتطبيق، وبين التشخيص العلمي للتحديات وبناء المبادرات التي يمكن أن تسهم في معالجتها.
أصحاب المعالي والسعادة،
إن أحد الأهداف الرئيسية لهذا المنتدى هو الانتقال بالشراكات الدولية من مستوى التواصل العام إلى مستوى التعاون المؤسسي المنظم.
فمنطقتنا تحتاج إلى شراكات تتجاوز المشاركة في المؤتمرات وتبادل الزيارات، لتشمل برامج مشتركة في البحث والتدريب وبناء القدرات، وتطوير السياسات، ودعم التعافي، وتوسيع فرص الاستثمار المسؤول، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، يرحب المركز بتطوير علاقات التعاون مع الجامعات ومراكز الفكر والبحوث، والبعثات الدبلوماسية، والمنظمات الإقليمية والدولية، والمؤسسات التنموية، والقطاع الخاص، من أفريقيا والعالم العربي وآسيا وأوروبا وسائر المناطق.
ونقترح أن تتجه هذه الشراكات نحو خمسة مسارات عملية:
أولاً: البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية المشتركة
وذلك من خلال إعداد بحوث وأوراق سياسات حول الأمن الإقليمي، والتحولات الجيوسياسية، والعلاقات الدولية، ومستقبل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتنظيم المؤتمرات والندوات العلمية، وتبادل الخبراء والباحثين، وبناء قواعد معرفية تساعد على فهم التحولات الإقليمية والدولية.
ثانياً: الحوار الدبلوماسي والاستراتيجي
نسعى إلى تطوير منصات حوار تجمع الدبلوماسيين وصناع القرار والأكاديميين والخبراء، وتوفر مساحة مهنية لمناقشة القضايا الخلافية، وتحديد المصالح المشتركة، وبناء التفاهمات. كما نولي أهمية للمسارات الحوارية غير الرسمية التي يمكن أن تسهم، متى توافرت الظروف المناسبة، في تعزيز الثقة واستكشاف الخيارات الممكنة للتعاون والسلام.
ثالثاً: التعاون في السلام والتعافي وإعادة الإعمار
نطمح إلى العمل مع الشركاء الدوليين والمؤسسات التنموية على تطوير مبادرات تستجيب للاحتياجات السودانية، وتدعم التعافي المبكر، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتعزيز دور المجتمعات المحلية، وتوسيع فرص مشاركة الشباب والنساء في جهود السلام والتنمية.
رابعاً: الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي
نرى في الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة والنقل والموانئ والخدمات اللوجستية مجالات حيوية لبناء شراكات ذات أثر ملموس. ونسعى إلى تشجيع البحوث التطبيقية والمبادرات الاستثمارية التي تربط الموارد الإنتاجية بالأسواق الإقليمية، وتدعم سلاسل القيمة، وتعزز القدرة على مواجهة الأزمات الغذائية، وتخلق فرصاً اقتصادية مستدامة.
خامساً: بناء القدرات وتبادل المعرفة
يشمل ذلك برامج تدريب الباحثين والخبراء، وتطوير المهارات في تحليل السياسات والدراسات الاستراتيجية، وتبادل المنشورات والبيانات المتاحة، وتنظيم البرامج الأكاديمية والمهنية المشتركة، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومراكز الفكر والمؤسسات المتخصصة.
ونؤكد أن هذه المسارات ليست قائمة رغبات عامة، بل مجالات يمكن تحويلها إلى برامج عمل مشتركة، من خلال تحديد الشركاء، والاتفاق على الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وتحديد الجداول الزمنية، ووضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج والأثر.
أصحاب المعالي والسعادة،
إن السودان اليوم في حاجة إلى شراكات دولية فاعلة تسهم في تجاوز آثار الحرب، واستعادة قدرات مؤسساته الاقتصادية والخدمية، وإعادة بناء البنية التحتية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتهيئة الظروف الملائمة للتعافي والاستقرار.
وفي المقابل، يمتلك السودان إمكانات استراتيجية واقتصادية مهمة، تشمل موقعه الجغرافي، وسواحله على البحر الأحمر، وموارده الزراعية والحيوانية والمعدنية، وقدراته البشرية، وفرص تطوير الموانئ والنقل والتجارة والخدمات اللوجستية.
ويمكن لهذه الإمكانات أن تشكل أساساً لشراكات إقليمية ودولية واسعة، إذا ارتبطت برؤية واضحة للأولويات الوطنية، وأطر مؤسسية مستقرة، وبيئة استثمارية شفافة، وتفاهمات تحقق المنافع المتبادلة.
إننا نؤمن بأن نجاح الشراكات لا يقاس بحجم الاتفاقيات المعلنة وحدها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، ونقل المعرفة، وبناء القدرات المحلية، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على الاستمرار والتطور.
كما أن الشراكات الفاعلة تتطلب وضوحاً في الأهداف، وشفافية في المسؤوليات، واحتراماً للسيادة الوطنية، وتوازناً في المصالح، وآليات عملية للمتابعة والتقييم والمساءلة.
ومن هنا، فإننا ندعو إلى التعامل مع السودان ليس فقط بوصفه ساحة للتحديات أو الأزمات، بل باعتباره شريكاً يمتلك موارد وإمكانات وفرصاً يمكن أن تسهم في التنمية والتكامل الإقليميين.
أصحاب المعالي والسعادة،
إن منتدى بورتسودان للأمن والتنمية ينبغي ألا ينتهي بانتهاء جلساته، بل نأمل أن يكون بداية لمسار يتجدد ويتطور، وأن تصبح بورتسودان محطة منتظمة للقاء الباحثين والدبلوماسيين وصناع السياسات والفاعلين الاقتصاديين، وأن تتحول مخرجاته إلى مبادرات تسهم في بناء الثقة وتوسيع المصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، نقترح العمل على ثلاثة مخرجات أساسية:
أولاً: إعلان بورتسودان للأمن والتنمية والتعاون الإقليمي، بوصفه وثيقة موجزة تعكس القضايا ذات الأولوية ومبادئ التعاون المتفق عليها بين المشاركين، دون أن يحل محل المواقف الرسمية للدول أو يلزم الجهات التي لم تعتمد مضمونه.
ثانياً: وضع أجندة أولية للشراكات الدولية والبحثية، تحدد مجالات التعاون ذات الأولوية والجهات الراغبة في المشاركة والمبادرات الممكنة للتنفيذ.
ثالثاً: إنشاء آلية لمتابعة مخرجات المنتدى وتطوير التواصل بين المشاركين، بما في ذلك بحث إمكانية تأسيس مرصد بحثي واستراتيجي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، يعنى برصد التحولات الإقليمية، وتحليل المخاطر، وتطوير الدراسات والتقديرات، وإنتاج المعرفة التي تدعم الحوار وصناعة القرار.
ونأمل أن تسهم هذه المخرجات في الانتقال من الحوار إلى العمل، ومن تبادل الأفكار إلى بناء البرامج، ومن المبادرات الفردية إلى شراكات مؤسسية مستدامة.
الحضور الكريم،
إن مسؤوليتنا المشتركة لا تقتصر على وصف الأزمات، بل تمتد إلى فهم أسبابها، وتحديد مسارات التعامل معها، وتوسيع فرص التعاون التي يمكن أن تجعل السلام والاستقرار والتنمية أهدافاً قابلة للتحقيق.
وتقتضي هذه المسؤولية أن ننظر إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر ليس فقط من منظور المخاطر والتنافس، وإنما أيضاً من منظور الفرص والإمكانات والمستقبل المشترك.
ومن هذا المنطلق، فإننا نأمل أن يشكل هذا المنتدى مساحة جادة للحوار، ومنصة عملية لتطوير الشراكات الدولية، ومناسبة لتأكيد أن المعرفة والتعاون والثقة المتبادلة تمثل ركائز أساسية لأي مشروع إقليمي يسعى إلى السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.
وفي الختام، أجدد الترحيب بكم جميعاً، وأعرب عن تقديرنا لمشاركتكم، متطلعين إلى أن تثمر أعمال هذا المنتدى عن رؤى واضحة ومبادرات عملية وشراكات مثمرة تخدم السودان ودول القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير شعوب منطقتنا، وأن ينعم على السودان بالأمن والسلام والاستقرار والازدهار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
