إبراهيم أحمد مكي نحتاج الى قواعد جديدة لادارة السلطة والخلاف
وقف إطلاق النار ليس نهاية السلام . . والعدالة مسؤولية فردية
الحوار يجب ان ينتقل من الأشخاص الى القضايا
حوار : انتصار فضل الله
قال القيادي بالتيار الإسلامي إبراهيم أحمد مكي إن إنهاء الحرب في السودان يتطلب حواراً سودانياً ـ سودانياً يعالج جذور الأزمة، إلى جانب حصر السلاح في المؤسسات النظامية والاحتكام إلى القانون والانتخابات في إدارة السلطة.
ودعا مكي، في حوار مع «نبأ السودان»، إلى عدم إقصاء القوى السياسية والمجتمعية، مؤكداً استعداد التيار الإسلامي لمراجعة تجربته السابقة في الحكم، ومشدداً على أن دور الأطراف الخارجية ينبغي أن يقتصر على التيسير والدعم الفني، بينما يبقى القرار للسودانيين.
*نص الحوار*
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.. ماذا يريد التيار الإسلامي للسودان؟
نريد سوداناً آمناً ومستقراً يسع جميع السودانيين، وتجمعهم دولة واحدة ومؤسسات واحدة وقانون واحد.
لدينا موارد طبيعية وبشرية كبيرة، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى الاستقرار والإرادة السياسية والمجتمعية. رؤيتنا تقوم على استكمال المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ثم الوصول إلى انتخابات ودستور دائم يطرحه الشعب السوداني للاستفتاء.
السلطة يجب أن تكون مسؤولية مؤقتة تنتقل سلمياً وفق آليات واضحة.
ما الذي ينهي الحرب برأيكم: الميدان أم طاولة الحوار؟
الحرب قد تبدأ بالسلاح، لكنها لا تنتهي بالسلاح وحده. النهاية المستقرة تحتاج إلى الجلوس إلى طاولة الحوار وتشخيص أسباب اندلاعها، ثم وضع المعالجات.
لا يكفي التعامل مع الأعراض؛ لا بد من معالجة الأسباب، ومناقشة قضايا السلطة والموارد وإدارة الدولة، والاتفاق على قواعد جديدة لإدارة الاختلاف.
هل يشمل الحوار الجميع؟
نحن مع حوار واسع يستوعب القوى والمكونات السودانية المختلفة. الاختلاف لا يُعالج بالإلغاء، وإنما بإدارته داخل الحوار والمؤسسات.
الإسلاميون جزء من الشعب السوداني، وكذلك القوى المدنية والسياسية والاجتماعية الأخرى، ولذلك لا نرى أن إقصاء أي مكون يمكن أن يعالج الأزمة كاملة.
المشاركة تكون وفق القانون. من يقبل الحوار ويستعد للجلوس والاستماع وطرح رؤيته ينبغي أن يجد مكانه، أما من يرفض الحوار من الأساس فهو الذي يختار عدم المشاركة.
ما الذي يجب أن يناقشه الحوار؟
يجب أن نضع أسباب الحرب نفسها أمامنا: هل المشكلة في السلطة؟ أم الموارد؟ أم طريقة إدارة الدولة؟ أم تراكمات سياسية ومجتمعية سابقة؟
المطلوب ليس وقف الحرب فقط، وإنما وضع آليات تمنع تكرارها: كيف نصل إلى السلطة؟ وكيف نتداولها؟ وكيف ندير الموارد؟ وما حدود ومسؤوليات مؤسسات الدولة؟
ينبغي أن ينتقل الحوار من الأشخاص إلى القضايا، ومن الخصومات إلى بناء قواعد تحكم المستقبل.
هل أنتم مستعدون لمراجعة تجربة الإسلاميين في الحكم؟
أي تجربة بشرية قابلة للمراجعة، وتجربتنا السابقة فيها جوانب تحتاج إلى دراسة ونقد وتصحيح.
هناك أخطاء وقعت في إدارة السلطة والمال العام، ومن المهم الاعتراف بها واستخلاص الدروس، ومن بينها عدم الاستخدام الصحيح للمال العام والسلطة.
وفي المقابل، هناك جوانب نرى أنها تستحق الدراسة، بما فيها بعض صور المشاركة في مؤسسات الحكم على المستويات المحلية والولائية والمركزية.
نحن نعكف على مراجعة التجربة وكتاباتنا، وهناك اتجاه لإعداد رؤية مكتوبة تُطرح أمام الشعب السوداني، حتى تكون المراجعة جزءاً من النقاش العام.
كيف تتعاملون مع القوى التي اختلفتم معها؟
الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة. هناك قوى اختلفت معنا في مراحل سابقة، لكنها جلست معنا وتوصلت إلى تفاهمات واتفاقيات وشاركت في مؤسسات الحكم.
نحن مكونات سودانية لدينا رؤانا وأفكارنا، وهي لديها رؤاها. المهم أن يبقى الاختلاف في المجال السياسي.
المواطن يريد التعليم والصحة والعلاج والخدمات والأمن، وهذه قضايا مشتركة يمكن أن نعمل فيها معاً، بينما تُترك الخلافات السياسية للشعب السوداني عبر الانتخابات والمؤسسات الدستورية.
كيف تنظرون إلى قضية السلاح بعد الحرب؟
الدولة المستقرة تحتاج إلى مرجعية واضحة في استخدام القوة، ولذلك نرى ضرورة حصر السلاح في المؤسسات النظامية.
القوات المسلحة مؤسسة وطنية مهمتها حماية البلاد والدفاع عنها، ومن يريد أداء واجبه الوطني وحمل السلاح ينبغي أن يكون ذلك عبر المؤسسات الرسمية ووفق القانون.
ويشمل ذلك إعادة النظر في الأطر المرتبطة بالخدمة الوطنية والدفاع الشعبي وغيرها، بحيث يكون أداء الواجب الوطني منظماً داخل مؤسسات الدولة.
هل السلام يعني وقف إطلاق النار؟
السلام أوسع من وقف إطلاق النار. يعني أن يشعر المواطن بالأمن في منزله وحركته وعمله، وأن يحصل على المأكل والمشرب والسكن والتعليم والصحة، وأن تكون أمواله وحقوقه مصانة.
وقف إطلاق النار خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية السلام. السلام الحقيقي أن يعيش الإنسان بعيداً عن الخوف، وأن تكون علاقته بالدولة محكومة بالقانون.
لذلك فإن إعادة بناء الدولة وتحقيق الأمن والخدمات جزء من عملية السلام.
وماذا عن العدالة والمحاسبة؟
المحاسبة يجب أن تقوم على المسؤولية الفردية. من يثبت ارتكابه انتهاكاً يتحمل مسؤوليته وفق القانون، ولا ينبغي تحميل شخص مسؤولية فعل لم يرتكبه لمجرد انتمائه إلى جماعة أو تيار.
نحتاج إلى عدالة تحدد المسؤولية بدقة وتحفظ حقوق المواطنين، حتى لا تتحول المحاسبة نفسها إلى مصدر جديد للصراع.
ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الخارج؟
نحن مع حوار سوداني ـ سوداني، لأن السودانيين هم أصحاب المصلحة الأساسية في مستقبل بلادهم.
يمكن الاستفادة من الدعم الخارجي في التيسير والجوانب الفنية واللوجستية وتبادل الخبرات، لكن القرار بشأن مستقبل السودان يجب أن يكون للسودانيين.
ما الثوابت التي لا يقبل التيار الإسلامي تجاوزها؟
الشريعة الإسلامية والثوابت الدينية تمثل مرجعية أساسية بالنسبة إلى التيار الإسلامي، إلى جانب وحدة السودان وسيادته وأراضيه.
السودان للسودانيين جميعاً بمختلف مناطقهم ومكوناتهم وألوانهم، ولذلك يجب أن تحافظ العملية السياسية على وحدة البلاد وسيادتها.
كيف تتصورون السودان بعد الحرب؟
نحتاج إلى تحويل تجربة الحرب إلى درس سياسي واجتماعي، وبناء دولة مؤسسات وقانون، وانتقال سلمي للسلطة، وانتخابات ودستور دائم، وإنهاء تعدد مراكز السلاح.
كما نحتاج إلى مجتمع متماسك يستطيع تجاوز آثار الحرب. وفي شمال كردفان، مثلاً، شهدنا تجربة اجتماعية شاركت فيها كيانات متعددة، كما استقبلت أسر في مدينة الرهد نازحين وفتحت لهم منازلها وتقاسمت معهم احتياجات الحياة.
هذه القيم يمكن أن تكون جزءاً من التعافي الوطني. السودان يمتلك الأرض والموارد والشعب، وما يحتاج إليه هو الاتفاق على قواعد لإدارة الدولة والخلاف.
الحوار ليس نهاية الطريق، وإنما بداية لمعالجة الأسباب. وإذا جلس السودانيون معاً واستمع بعضهم إلى بعض، ثم تركوا للشعب والمؤسسات الدستورية مهمة حسم الخلافات السياسية، يمكن أن يبدأ السودان مرحلة مختلفة بعد الحرب.

















