تقرير: انتصار فضل الله
لم تغيّر الحرب في السودان خرائط السيطرة العسكرية وحدها، ولم تترك آثارها في المدن والاقتصاد وحياة ملايين النازحين فقط، بل أحدثت، خلف خطوط القتال، تحولاً أقل وضوحاً وأكثر تأثيراً في مستقبل البلاد: إعادة توزيع للأدوار داخل المجتمع، وصعود فاعلين جدد إلى المجال العام، في مقابل تراجع قدرة قوى سياسية تقليدية على احتكار تمثيل السودانيين.
أكثر من ثلاث سنوات من الحرب جعلت السياسة أقل ارتباطاً بالمنابر الحزبية وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية. ومع تراجع قدرة مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، تولّت مبادرات أهلية وغرف طوارئ وشبكات مجتمعية أدواراً في توفير الغذاء والدواء، وإجلاء المدنيين، وإدارة الأزمات، بينما حافظت المؤسسة العسكرية والقوى السياسية التقليدية والقيادات الاجتماعية على أوزان متفاوتة في المشهد.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة ولادة نخبة سياسية بديلة، بقدر ما تكشف عن تعدد مصادر النفوذ والشرعية التي ستدخل مرحلة ما بعد الحرب.
ومع عودة الحوار السوداني إلى الواجهة، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يستطيع هذا الحوار استيعاب القوى التي أفرزتها الحرب، أم يعيد إنتاج خريطة التمثيل السياسي التي سبقت اندلاعها؟
من الشارع إلى المجتمع
يقول الناشط أيمن حسين لـ«نبأ السودان» إن الحرب دفعت قطاعات من الشباب إلى أدوار تجاوزت النشاط السياسي التقليدي، بعدما وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات مباشرة تتصل بمساندة الأسر، وتنظيم المبادرات، وتوفير الاحتياجات الأساسية.
ويرى حسين أن هذه التجربة منحت جيلاً من الشباب خبرات في إدارة الأزمات والتنسيق المجتمعي والتعامل مع واقع شديد التعقيد، بعدما أصبح العمل العام بالنسبة إليهم ممارسة يومية لا مجرد موقف سياسي.
لكن هذه الخبرة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً حول قدرتها على التحول إلى مشروع سياسي؛ فإدارة أزمة أو مساعدة مجتمع محلي لا تعني تلقائياً امتلاك أدوات إدارة الدولة.
غرف الطوارئ.. نفوذ من قلب الأزمة
ومن أكثر التجارب التي عكست هذا التحول صعود غرف الاستجابة للطوارئ، التي تحولت في مناطق مختلفة إلى شبكات للعمل المجتمعي، وتولت توفير الغذاء والدواء والمياه، ومساعدة النازحين وإجلاء المدنيين، في ظل تراجع الخدمات الرسمية.
في هذا الجانب يشير سمير عبد الكريم، عضو في إحدى غرف الطوارئ بالخرطوم، إلى أن الحرب فرضت على الشباب تطوير آليات جديدة للعمل الجماعي واتخاذ القرار وإدارة الموارد المحدودة، وأكسبتهم خبرات في التعامل مع أطراف محلية مختلفة لضمان استمرار الخدمات.
غير أن هذه التجربة ستواجه اختباراً مختلفاً بعد توقف الحرب: هل تنتقل هذه الشبكات من العمل الإنساني إلى المجال العام والسياسي، أم ينتهي دورها بانتهاء الظروف التي فرضت ظهورها؟
النخبة القديمة.. حضور لا يخلو من الأسئلة
في المقابل، لا تبدو القوى السياسية التقليدية خارج المشهد.
ويقول عبد الكريم ل «نبأ السودان» إن الأحزاب تمتلك خبرة تنظيمية وشبكات سياسية وتاريخاً من العمل العام، كما أن بعضها يشارك في النقاش حول التسوية والحوار ومستقبل الدولة.
غير أن الحرب كشفت، في الوقت نفسه، أزمة ثقة بين قطاعات من المجتمع وبعض النخب التقليدية، ووسّعت المسافة بين الخطاب السياسي والحياة اليومية للمواطنين.
الجيش.. اللاعب الذي يصعب تجاوزه
في الاتجاه يرى محللون سياسيون أن الأحزاب لن تواجه فقط منافسة من فاعلين جدد، وإنما ستواجه أيضاً سؤالاً يتعلق بقدرتها على تجديد خطابها، وتوسيع قواعدها، والتعامل مع قوى ظهرت من قلب المجتمع خلال الحرب.
في المقابل، تظل المؤسسة العسكرية لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي تصور لمستقبل السودان وفقا للمحللون ، الحرب أعادتا الجيش إلى مركز النقاش حول شكل الدولة، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وحدود الدور السياسي للقوات المسلحة في المرحلة المقبلة.
حاتم الزين، أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة أم درمان الإسلامية، يقول ل” نبأ السودان ” الحرب لم تنتج قيادات جديدة فقط، بل أعادت تشكيل مصادر النفوذ داخل المجتمع، ووسّعت دائرة الفاعلين خارج المؤسسات السياسية التقليدية.
لكن هذا التحول لا يعني، في تقديره، أن كل من اكتسب حضوراً أثناء الحرب أصبح مؤهلاً تلقائياً للعب دور سياسي، إذ إن الانتقال إلى السياسة يحتاج إلى برامج ومؤسسات وقواعد واضحة للمنافسة والمساءلة.
قيادات وشرعيات من خارج المؤسسات
وبالتوازي مع ذلك، برزت قيادات محلية، وشخصيات مهنية ومجتمعية، وإدارات أهلية، وفاعلون في المجال الإنساني، اكتسب بعضهم نفوذه من وجوده بالقرب من الناس في المناطق التي غابت عنها الدولة أو تراجعت فيها قدرتها على تقديم الخدمات.
ويمثل هؤلاء أحد الاختبارات الصعبة أمام الحوار السوداني؛ إذ إن استبعادهم قد يعيد إنتاج أزمة التمثيل، بينما قد يؤدي إدخالهم من دون قواعد واضحة إلى توسيع دائرة الصراع على النفوذ.
ويضيف الزين أن الشرعية التي يكتسبها شخص من مجتمعه المحلي لا تعني بالضرورة امتلاكه قبولاً وطنياً، وهو ما يجعل الانتقال من «شرعية القرب» إلى «شرعية التمثيل» أحد أصعب تحديات المرحلة المقبلة.
جيل الحرب.. هل يتحول إلى نخبة؟
وينظر إبراهيم شقلاوي، المحلل السياسي والكاتب الصحفي، إلى التحولات التي أحدثتها الحرب باعتبارها جزءاً من ظاهرة أوسع، إذ إن التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب غالباً ما تفرز قيادات جديدة بقدر ما تفرز تحديات جديدة.
ويشير شقلاوي إلى أن الحرب أفرزت قيادات مجتمعية وقفت إلى جانب الناس، وأسهمت في دعمهم عبر التكايا والمساعدات العينية والقوافل وغيرها من المبادرات، كما أفرزت شخصيات سياسية تصدت لما وصفه بالهجوم الإعلامي المنظم الذي قادته الميليشيا ومؤيدوها.
ويعتقد أن الذين وقفوا خلال الحرب في الصفوف المتقدمة لمساندة المجتمع والدولة ينبغي أن يكون لهم حضور في المرحلة المقبلة، خصوصاً بين الشباب، مشيراً إلى أن طبيعة الأدوار تتغير بتغير التحديات الوطنية؛ فإذا كان الأمن هو التحدي الأبرز أثناء الحرب، فإن إعادة الإعمار والتنمية والاستقرار السياسي ستكون عناوين المرحلة المقبلة.
الحوار أمام اختبار التمثيل الجديد
وهنا تلتقي قصة «جيل الحرب» مع الحوار السوداني الحالي.فالمسألة لا تتعلق فقط بمن سيجلس إلى طاولة الحوار، وإنما بمن يستطيع تمثيل مجتمع تغيرت تركيبته وأولوياته خلال سنوات الحرب.
إذا اقتصرت العملية السياسية على القوى المعروفة، فقد تعيد إنتاج جزء من المعادلة القديمة. وإذا تحولت المشاركة إلى سباق مفتوح بين مراكز النفوذ الجديدة، فقد يجد السودان نفسه أمام استقطاب جديد، وإن حمل أسماء مختلفة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحوار لا يتمثل في زيادة عدد المشاركين، بقدر ما يكمن في تحويل تعدد الأصوات إلى قاعدة سياسية، لا إلى تعدد مراكز للصراع.
من يملك المفاتيح؟
تكشف الحرب أن مفاتيح السياسة السودانية لم تعد في يد طرف واحد؛ فالجيش، والأحزاب، والشباب، وغرف الطوارئ، والقيادات المجتمعية، جميعهم خرجوا من الحرب بأوزان مختلفة.
لكن امتلاك النفوذ لا يعني امتلاك الشرعية. والاختبار الحقيقي لما بعد الحرب لن يكون من يملك القوة، بل من يستطيع تحويل نفوذه إلى تمثيل سياسي يختاره السودانيون.
وهنا يُختبر الحوار: هل يعيد توزيع مفاتيح السياسة على قاعدة جديدة، أم يكتفي بإعادة تدوير أصحاب المفاتيح القديمة؟


















