من اقتصاد الحرب إلى معركة رأس المال.. القطاع الخاص السوداني يطرق باب التمويل الدولي

تقرير1 1

تحالف مرتقب مع الحكومة و«UNDP».. و20 طناً من اللحوم تستعيد طريقها إلى الكويت

الخرطوم : انتصار فضل الله

لم يعد القطاع الخاص السوداني يطرح إعادة الإعمار باعتبارها فاتورة تحتاج إلى مساعدات، بل بدأ يتعامل معها كسوق استثمارية تحتاج إلى رأس مال. ومن هذا المدخل، يعتزم القطاع الخاص والحكومة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP» بناء تحالف يستهدف فتح قنوات تمويل أمام الشركات السودانية، في وقت بدأت فيه بعض الصادرات استعادة طريقها إلى الأسواق الخارجية.

التحول برز خلال «منتدى حوار تعافي القطاع الخاص»، الذي انتهى إلى توجه لتأسيس تحالف استراتيجي يضم القطاع الخاص والحكومة ممثلة في وزارة المالية و«UNDP» وأذرع الأمم المتحدة، وفق ما أعلن رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني، معاوية محمد أحمد البرير.

ويقول البرير إن الرسالة التي يريد القطاع الخاص إيصالها إلى المجتمع الدولي واضحة: «الاستثمار لا المساعدات».

وتبدو المعادلة، بالنسبة للقطاع الخاص، مرتبطة بحاجتين متلازمتين؛ إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية من جهة، واستعادة القدرة على الوصول إلى التمويل من جهة أخرى. ويشير البرير إلى أن احتياجات إعادة الإعمار في الزراعة والصناعة والتجارة يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية، بينما أدت العقوبات وصعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي إلى إضعاف قدرة الشركات السودانية على استعادة نشاطها.

كما يدعو إلى تهيئة البيئة أمام رؤوس الأموال السودانية الموجودة في الخارج للعودة إلى السوق المحلية.

التمويل أولاً

لكن الطريق إلى الاستثمار يمر، وفق اتحاد الغرف الصناعية، عبر إعادة بناء أدوات التمويل نفسها.

ويضع رئيس اتحاد الغرف الصناعية باتحاد أصحاب العمل، عباس علي السيد، التمويل في صدارة تحديات التعافي، موضحاً أن الاتفاق المرتقب مع «UNDP» يستهدف بناء إطار للسياسات والتشريعات والضوابط والخطط والمشروعات المشتركة.

ولا يبحث القطاع الخاص، بحسب علي السيد، عن منح جديدة بقدر ما يبحث عن تمويل تجاري وتنموي قابل للسداد. فالزراعة والصناعة وإعادة تأهيل الكهرباء والطرق والطاقة تحتاج إلى موارد تتجاوز قدرة السوق المحلية، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب وضعف القطاع المصرفي والقطاع الخاص.

ومن هنا يطرح نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP كإحدى الآليات الممكنة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، بما يسمح بتقاسم أعباء التمويل والتنفيذ بين الدولة والمستثمرين.

صادرات تتحرك

في الجانب الآخر من المعادلة، تظهر الصادرات كاختبار مبكر لقدرة الاقتصاد على استعادة موارده الخارجية.

فقد كشف نائب رئيس اتحاد غرف الزراعة والإنتاج الحيواني ورئيس قطاع صادرات اللحوم، د. خالد المقبول، عن استئناف تصدير اللحوم السودانية إلى الكويت بشحنة بلغت 20 طناً بالنقل البري.

وترفع عودة الكويت عدد الأسواق الخليجية المستقبلة للحوم السودانية إلى دولتين، بينما يستمر الطلب من الجزائر وأسواق أخرى، وفق المقبول، الذي كشف كذلك عن موافقة مصر من حيث المبدأ على استئناف استيراد اللحوم السودانية.

غير أن عودة الصادرات لا تزال تصطدم بإرث الحرب. فقد أخرج النزاع مسالخ الصادر من الخدمة، قبل أن يعيد القطاع الخاص تأهيل عدد منها بجهود ذاتية، بينها الكدرو والشاهيناب وكرري الوطني والقضارف، فيما ظل مسلخ القضارف يعمل بصورة مستمرة منذ العام الماضي.

وتشكل الاشتراطات الصحية والفحوصات المعملية الخاصة بالكوليرا عقبة أخرى أمام حركة الصادرات، بحسب المقبول، الذي أشار إلى جهود مع وزارات الصحة والثروة الحيوانية وهيئة المواصفات والمقاييس لمعالجة الملف.

ويجري كذلك بحث الاستعانة بمسّاح دولي كطرف ثالث لتسهيل استئناف الصادرات إلى مصر.

إعلان واختبار

وفي ختام المنتدى، تجري ترتيبات للتوقيع على «إعلان الخرطوم»، ليكون إطاراً للتحالف المرتقب بين اتحاد أصحاب العمل والحكومة و«UNDP»، مع تشكيل لجنة دائمة لمتابعة التنفيذ.

الفكرة هنا تتجاوز صياغة إعلان جديد؛ فوجود لجنة للمتابعة يستهدف، بحسب المقبول، منع انتهاء التوصيات بانتهاء المنتدى.

ويرى رئيس نادي رجال وسيدات الأعمال السوداني، زاهر صديق البشير، أن أي مسار للتعافي الاقتصادي سيظل مرتبطاً بالاستقرار، قائلاً إن «التعافي لا يتم إلا بوقف البندقية».

ويشير إلى أن استمرار الحرب يضغط على الإنتاج والاستثمار والأسواق، داعياً إلى وضع احتياجات المواطن والمنتج في قلب سياسات التعافي، وبناء شراكات تستهدف القطاعات الأكثر اتصالاً بالمعيشة والخدمات.

هكذا تتشكل أمام الاقتصاد السوداني معادلة جديدة: تحالف يبحث عن التمويل، وقطاع خاص يريد العودة إلى الإنتاج، وصادرات تحاول استعادة أسواقها. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في إعلان التحالف أو توقيع «إعلان الخرطوم»، بل في ما سيأتي بعدهما: هل تتحول الوعود إلى خطوط تمويل، والمشروعات إلى استثمارات، والمصانع إلى إنتاج، والأسواق الخارجية إلى صادرات منتظمة؟

Exit mobile version