في الدبلوماسية، قد تحتاج الدول إلى اجتماعات طويلة حتى تقول ما تريد، وقد تكفي أحياناً مأدبة غداء، ومقعد على طاولة، وصفة مكتوبة بعناية في تغريدة، لكي تقول السياسة أكثر مما أراد أصحابها أن يقولوا. وهذا تقريباً ما حدث في العلمين.
كتب مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، أنه سعد بحضور مأدبة الغداء التي أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين الجديدة، «إلى جانب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان». الجملة تبدو عادية، لكن السياسة السودانية في هذه المرحلة جعلت حتى الصفة تحتاج إلى محللين.
أول ما يستحق التصحيح أن ما جرى، وفق المعطيات المتاحة، لم يكن موعداً رتبه بولس مع البرهان، ولا لقاءً دعا إليه أحدهما الآخر. الرئيس المصري أقام مأدبة، ودعا ضيوفه، وكان البرهان وبولس بين الحاضرين. وهذه تفصيلة تبدو بروتوكولية، لكنها مهمة؛ لأن بعض التغطيات سارعت إلى صناعة «لقاء البرهان وبولس»، بينما صياغة بولس نفسها كانت أكثر تحفظاً: مأدبة أقامها السيسي، حضرها الرجلان. لكن المفارقة الأجمل جاءت بعد ذلك.
قبل أيام قليلة، كان بولس حريصاً في حديثه عن السودان على تقديم البرهان من زاوية «قائد الجيش»، والتأكيد أن واشنطن تتعامل مع أطراف الصراع دون أن يعني ذلك اعترافاً رسمياً بالحكومة القائمة. ثم وصل الرجل إلى العلمين، وجلس إلى مأدبة الرئيس المصري، وعاد إلى منصة «إكس» ليكتب الاسم والصفة معاً: الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان. يبدو أن موائد الدبلوماسية المصرية لا تقدم الطعام وحده؛ أحياناً تعيد إلى الضيوف صفاتهم أيضاً.
بالطبع، لا ينبغي تحميل تغريدة أكثر مما تحتمل. استخدام الصفة الرسمية في منشور لمسؤول أميركي لا يساوي، من الناحية القانونية والدبلوماسية، قراراً أميركياً بالاعتراف بالحكومة السودانية، ولا يعني أن واشنطن أعادت صياغة سياستها كاملة بين وجبتين. لكن السياسة ليست قانوناً فقط، واللغة الدبلوماسية لا تُكتب اعتباطاً، خصوصاً عندما تصدر عن مسؤول جعل مسألة الصفة والشرعية جزءاً من خطابه السابق. وهنا تصبح المسألة أوسع من الصفة التي اختارها بولس للبرهان.
بولس أكد في المنشور دعم الولايات المتحدة لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وتحدث عن العمل مع مصر وشركاء إقليميين ودوليين لإنهاء الحرب، ثم انتقل إلى الحديث عن إعادة الإعمار والتنمية، وحوار وطني «يمتلكه ويقوده السودانيون»، وصولاً إلى حكومة بقيادة مدنية.
ولعل اللافت هنا ليس العناوين منفردة، فهي مألوفة في الخطاب الدولي حول السودان، وإنما ترتيبها. فبولس يبدأ بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ثم يضع إنهاء الحرب مدخلاً لاستعادة الأمن والاستقرار، ويصل بعد ذلك إلى إعادة الإعمار والتنمية، قبل أن ينتهي إلى الانتقال نحو حكومة بقيادة مدنية. أي أن المسار السياسي، وفق هذا التسلسل، يأتي داخل عملية تبدأ أولاً بوقف الحرب واستعادة الأمن والاستقرار، وليس قفزة فوق الميدان مباشرة إلى ترتيبات الحكم. وهذا ترتيب له دلالته في بلد ظلت بعض المبادرات الخارجية تتعامل مع أزمته السياسية كأن الحرب مجرد فاصلة يمكن تجاوزها للوصول سريعاً إلى السؤال القديم: من يحكم السودان؟
والأكثر إثارة للاهتمام أن بولس لم يتحدث هذه المرة عن مسار أميركي منفرد، وإنما سمّى مصر صراحة ضمن الدول التي تعمل معها واشنطن، إلى جانب شركاء وحلفاء إقليميين ودوليين. وهنا تصبح العلمين أكثر من مكان لمأدبة حضرها الرجلان؛ فهي تكشف أيضاً موقع القاهرة المتقدم في الحسابات المتعلقة بمسار السودان. فمصر، التي ظلت أكثر وضوحاً من غيرها في التعامل مع مؤسسات الدولة السودانية ورفض مساواتها بالمليشيات، تظهر هنا في قلب معادلة سياسية تتقاطع فيها الحسابات الأميركية والمصرية بشأن مسار السودان. والمفارقة أن لقاءً رسمياً بين البرهان وبولس ربما كان سيحتاج إلى اتصالات وشروط وترتيبات وحسابات دقيقة، بينما أنجزت مأدبة غداء ما يكفي لإنتاج صورة سياسية جديدة، من دون أن يُعلن أصلاً عن اجتماع ثنائي. وفي السياسة، الصورة ليست تفصيلاً.
أما حديث بولس عن استعداد الولايات المتحدة لدعم «حوار شامل بين القوى السياسية السودانية» وصولاً إلى «خارطة طريق أولية»، ودعوته السودانيين إلى «الانخراط بفاعلية مع الأطراف المعنية إقليمياً ودولياً»، فيضعان معادلة تحتاج إلى قدر كبير من الانتباه: الحوار سوداني الملكية والقيادة، لكن الخارج حاضر في دعمه وتنسيق محيطه الإقليمي والدولي. فإذا كان السودانيون هم الذين ينبغي أن يملكوا مسارهم السياسي ويقودوا حوارهم بأنفسهم، فإن وظيفة الخارج تظل المساعدة على الطريق، لا رسم الطريق نيابة عنهم. والفارق بين أن يساعد الخارج السودانيين على الوصول إلى خارطة طريق، وأن يحمل إليهم خارطة جاهزة، قد يكون هو الفارق بين عملية سياسية قابلة للحياة وإعادة إنتاج أزمة جديدة.
هذه اللغة تعيد ترتيب صورة المشهد، ولو على مستوى الخطاب. فالسودان يظهر هنا بوصفه دولة لها وحدة وسيادة ومستقبل سياسي وحوار وطني، ولها أيضاً واقع مؤسسي قائم، يجلس رئيس مجلس السيادة فيه على مائدة رئيس دولة إقليمية محورية، ويختار المسؤول الأميركي هذه المرة أن يقدمه بالصفة الرسمية التي يحملها.
ثمة أيضاً سؤال أكبر تفتحه تغريدة العلمين: هل بدأت واشنطن تعدّل لغتها تجاه واقع الدولة السودانية، أم أن بولس اكتشف فقط أن مخاطبة الواقع أسهل من محاولة إعادة تسميته؟ الإجابة تحتاج إلى أكثر من تغريدة، لكن المؤكد أن الكلمات تغيّرت. قد تقول واشنطن إن شيئاً لم يتغير، وهذا ممكن، لكن مشكلة الدبلوماسية أنها، مثل الصورة، تحتفظ أحياناً بما قد تحاول السياسة التقليل من دلالته لاحقاً.
وفي العلمين لم يكن أكثر ما يستحق الانتباه ما دار على مائدة الغداء، فنحن لا نعرف إن كان قد دار شيء أصلاً بين الرجلين. الأكثر دلالة كان ما كُتب بعدها. ففي الوقت الذي تختلط فيه الشرعية بالاعتراف، والواقع بالمواقف المعلنة، احتاج مسعد بولس إلى بضعة أسطر فقط ليكتب أمام اسم عبد الفتاح البرهان، في قاموسه السياسي هذه المرة، صفة أخرى: «رئيس مجلس السيادة الانتقالي» بدلاً من «قائد الجيش».
وبين الصفتين مساحة صغيرة في اللغة… لكنها في السياسة السودانية، مساحة بحجم دولة.
