كتب السيد مبارك الفاضل، مقالا بعنوان الاقتصاد يحسم الحرب. و مبارك معروف كسياسي براغماتي أكثر من كونه باحثا اقتصاديا. لذا فإن مقاله مجرد مداخلة سياسية. وإن استخدم فيه المعلومات و الوقائع الاقتصادية، إلا ان أهدافه و مشروعه تظل سياسية. ترى ما هو المشروع الذي أفصح عنه بنفسه و استخدم كارثة الحرب و التحليل الاقتصادي، ليروج له في مقاله؟
*اختزال الحرب في تكلفتها الاقتصادية*
حشد السيد مبارك كما كبيرا من المعلومات والأرقام المتعلقة بانهيار العملة والتضخم وتراجع الإيرادات والخدمات والإنتاج، ليقدم الحرب للرأي العام، وكأنها مجرد تكلفة اقتصادية بمنطق الربح والخسارة. و بناء على تلك الخسائر طالب بوقف الحرب. ذكر ما ذكر بانتقائية، و تعمد أن يخفى قضايا الحرب الرئيسية المتعلقة بالأمن والسيادة والدفاع عن النفس. ترى هل فعلا الحرب يحسمها عامل واحد هو الاقتصاد؟ و ترى هل وقف الحرب سيؤدي تلقائيا إلى زوال كارثة الغزو و المليشيا و التعدي على الأمن و انتهاك السيادة؟ أم أن كل ذلك ليس مهما في نظر الزعيم السياسي البراغماتي الكبير؟
*تجاهل الغزو الأجنبي*
تجاهل السيد مبارك حقائق كثيرة، ليذكر بانتقائية شيء واحد فقط. لم يذكر الغزو الأجنبي و أن طبيعة هذه الحرب ليست مجرد تمرد مسلح. وبالتالي فإن تركيزه على الأضرار الاقتصادية وحدها لا يعكس الصورة الكلية الحقيقية. بل يرسل رسالة مختلة و مكشوفة. لا تعبر عن ما يراه غالبية السودانيين و عبروا عنه مباشرة في كل مكان. بأن هذه الحرب وجودية، أُجبروا فيها للدفاع عن النفس والسيادة الوطنية. أي أنها ليست مشروع سياسي ولا قرار اختياري يمكن التخلي عنه بمجرد ارتفاع تكلفته.
*خذلان الضحايا وتحويل المسؤولية*
مطالبة السيد مبارك من الضحايا بالتوقف عن الدفاع عن انفسهم و سيادة وطنهم، بسبب ارتفاع التكلفة. فيها خذلان و مفارقة كبيرة. فبدلا من توجيه الاتهام و تحميل المسؤولية للطرف المعتدي الذي تسبب في الحرب والجرائم والانتهاكات، بل تركهم تماما. و تحول بخطابه إلى الضحايا بالتركيز على الثمن الذي يدفعونه نتيجة استمرار التعدي عليهم و ارتكاب الجرائم فيهم. فيطالبهم أن يستسلموا لتفادي تكلفة الدفاع عن النفس. رغم أن السيد مبارك، يعلم جيدا أن الضحايا لم يكن لهم خيار اخر، لأنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع فرض عليهم الدفاع عن أنفسهم ومجتمعاتهم ومؤسسات دولتهم.
*الخسائر الاقتصادية أداة ضغط سياسي*
لكن سرعان ما يكشف السيد مبارك عن دوافعه الحقيقية. حينما ينتقل من قائمة الخسائر الاقتصادية إلى الدعوة لقبول مشروع سياسي محدد. و هذه هي رسالته. إما قبول التسوية السياسية المطروحة. أو استمرار التدهور والانهيار الاقتصادي. وهو ذات الإبتزاز الأماراتي فقط الان جاء على لسان السيد مبارك.
*البرنامج السياسي الأماراتي*
يبدأ ,مبارك مقاله، بلغة اقتصادية ولكنه ينتهي بمشروع سياسي متكامل يتضمن: وقف الحرب. اعادة تكوين الجيش. تسليم الحكم للمدنيين. إعادة بناء الدولة. ترى ما هو الرابط بين التحليل الاقتصادي، الذي بدأ به، و المشروع السياسي الذي انتهى اليه؟.
*المعنى الحقيقي*
عندما تقول الأمارات/المليشيا/قحت/عرمان/مبارك: جيش مهني قومي واحد. فالمعنى المقصود هنا هو ضمان مستقبل المليشيا العسكري. بأن تكون نواة الجيش الجديد المزعوم.
وعندما ينادون بحكم مدني ديمقراطي. فالمقصود هو تسليم السلطة الى قحت وحدها، و اقصاء للآخربن.
أما إعادة بناء الدولة، يعني عندهم إعادة هندستها لتمكين قحت و عزل و تفكيك الاخرين و فصل الالاف عن الخدمة المدنية والعسكرية وحل هيئة العمليات و شركات الجيش، و توقيع عقود احتكارية مع شركات الفاخر و الترويج بان الدعم السريع صار قوة لا تقهر و أن شركاته وطنية و تدفع ما عليها من ضرائب. كل ذلك مع ضمان النفوذ الاماراتي على السيادة و الاقتصاد السوداني.
هذا المشروع معلن و مكتوب وله مصفوفات و لجان و مؤتمرات. و للسيد مبارك، كسياسي براغماتي، طرق مختلفة للترويج عنه. وقد اختار في مقاله تكلفة الحرب الباهظة كمدخل، للترويج للمشروع الاماراتي في السودان.
أما الضحايا، فلهم اختاراتهم الاخرى. اختاروا دفع هذه الفاتورة التي حذرهم منها السيد مبارك، على الاستسلام. اختاروا الانحياز لقضايا أكبر من الاعتبارات الاقتصادية و المشاريع السياسية البراغماتية. اختاروا أن يبحثو عن اجابات الأسئلة الكبيرة. كيف نضمن عدم تجدد القتال؟ كيف تُحاسب المليشيا على جرائمها و كيف لا نكافئ العملاء على مساعدة الغزاة؟ كيف ننزع المكاسب التي حققتها المليشيا بالسلاح و بالجرائم؟ كيف نعيد حقوق الضحايا، و تعيد الدولة سلطتها على كامل أراضيها؟ و دون أن يقدم السيد مبارك أجوبة شافية على هذه الأسئلة، فان وقف الحرب الذي يدعو له ضمن آخرين. ليس إلا مجرد غطاء لمشروع سياسي يكافي الغزاة بالسيطرة و المليشيا بالافلات و عملائهم بالحكم. و لذلك فان المقال مجرد مرافعة سياسية تستعين بالاقتصاد لتبرير مشروع سياسي مكشوف.
……………..
د. محمد عثمان عوض الله… يكتب : مبارك الفاضل يروج للمشروع الأماراتي
