في الحروب، لا تُقاس الإنجازات بحجم الضجيج الذي يصاحبها، ولا بسرعة الأحداث، وإنما بالنتائج التي تتحقق على الأرض. ومن ينظر إلى مسار معركة الكرامة منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل 2023، يدرك أن الجيش السوداني أنجز ما كان كثيرون يعتقدون أنه مستحيل.
ففي الأيام الأولى للحرب، تمددت المليشيا المتمردة في مساحات واسعة من البلاد، وسيطرت على مواقع ومدن ومرافق استراتيجية، وحاصرت وحدات عسكرية مهمة، مستفيدة من دعم عسكري ولوجستي كبير ومن تجهيزات متطورة. كما ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المواطنين، وخلفت أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة في العديد من المناطق.
لكن ما جرى بعد ذلك يثبت حقيقة مهمة؛ وهي أن قوة الجيوش لا تُقاس بلحظات التقدم الأولى، وإنما بقدرتها على الصمود واستعادة زمام المبادرة. فقد خاض الجيش السوداني مئات المعارك، واستطاع أن يستعيد ولايات ومدناً ومواقع استراتيجية، وأن يغير موازين الحرب بصورة كبيرة، حتى أصبحت المليشيا اليوم في وضع مختلف تماماً عما كانت عليه في بداية تمردها .
ورغم ذلك، ما زال بعض المواطنين يتساءلون عن أسباب تأخر العمليات في بعض الجبهات. والإجابة أن الحروب ليست مجرد اندفاع نحو الأمام، بل هي تخطيط وتقدير للمواقف وإدارة دقيقة للموارد والقوات. فالقيادة العسكرية مطالبة بتحقيق أهدافها مع المحافظة على أرواح المدنيين وتقليل الخسائر وحماية البنية التحتية قدر الإمكان. ولهذا فإن التقدم المدروس أكثر قيمة من المكاسب السريعة التي قد تكون كلفتها باهظة.
إن ما تحقق في معركة الكرامة حتى الآن ليس نهاية الطريق، لكنه بالتأكيد دليل واضح على أن السودان يمتلك القدرة والإرادة لمواصلة المعركة حتى تحقيق أهدافها كاملة. وما دام هناك جنود يرابطون في الميدان، ومهندسون وفنيون يعملون خلف خطوط القتال، وشعب يلتف حول وطنه، فإن الثقة بالمستقبل تبقى مبررة، والأمل بالنصر يبقى قائماً.
فالأوطان لا تُبنى باليأس، ولا تُحمى بالتعجل، وإنما بالصبر والعزيمة والعمل المتواصل. وهذه هي الرسالة الأهم التي تؤكدها معارك الكرامة كل يوم.
