معركة ترتيب المسارات تبدأ في نيويورك… هل ينتظر الحوار صمت البنادق؟

مقال1 1

بقلم: مهند عوض محمود.

لن تكون اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا العام مجرد مناسبة لإلقاء الخطب عن السودان، بل ساحة لإعادة ترتيب المسارات الدولية والإقليمية تجاه الحرب. وتشير قراءة التحركات الجارية إلى احتمال اجتماع دول الرباعية — الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات — مع أطراف الخماسية: الاتحاد الأفريقي، و«إيغاد»، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة.

وإذا انعقد هذا الاجتماع، فلن تكون مهمته إقناع العالم بحجم الكارثة السودانية؛ فالعالم يعرفها. القضية الأكثر تعقيداً ستكون ترتيب ثلاثة مسارات: وقف إطلاق النار، والعمل الإنساني، والدفع نحو حوار سياسي مستدام وشامل بقيادة سودانية. هل تتوقف الحرب وتُفتح المسارات الإنسانية أولاً، ثم يبدأ الحوار؟ أم تتحرك المسارات الثلاثة بالتوازي؟ هنا تبدأ المعركة السياسية التي قد تحدد شكل المرحلة المقبلة.

وجود وفد «صمود» في نيويورك ليس بعيداً عن هذه المعركة. فحتى إن لم تكن حاضرة داخل الاجتماع الرسمي، يُتوقع أن تلتقي بعض الأطراف المشاركة فيه، وأن تركز على وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية، مع الدفع نحو تأجيل الحوار السياسي ورفض الانخراط فيه في الظروف الحالية.

هذا تحرك مشروع ومتوقع. فمن حق «صمود» أن تعرض رؤيتها، ومن واجب المجتمع الدولي أن يستمع إلى مختلف القوى السودانية. كما أن الملف الإنساني لا يحتمل التأجيل أو المساومة. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل يكون العمل الإنساني مدخلاً إلى الحوار، أم يتحول إلى مبرر لتأجيله؟

قد يكون موقف «صمود» أن وقف الحرب يجب أن يسبق أي عملية سياسية، ولذلك ترفض الانخراط في الحوار الجاري وتدفع نحو تأجيله. لكن أطراف الخماسية أعلنت تأييداً واضحاً لمبدأ الحوار السوداني، بل عبّرت بعض أطرافها، خلال اللقاءات الأخيرة، عن أن الرؤية المطروحة تتسق مع تصورها للحل القائم على حوار سوداني شامل. لذلك لا أعتقد أن تحركات «صمود» في نيويورك ستغير هذا المبدأ المعلن، وإن أُتيح لها عرض موقفها الرافض أمام الأطراف الدولية.

غير أن تأجيل الحوار إلى ما بعد الوقف الكامل للحرب يجعل مستقبل البلاد رهينة لمسار التفاوض وتقلبات الميدان. فإذا طال التفاوض، أو استغلت الميليشيا الهدن لإعادة التسليح والتموضع، أو تعذر الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، فهل يظل السودانيون منتظرين إلى أجل غير معلوم قبل أن يناقشوا مستقبل بلادهم؟

الحوار ليس جائزة تأتي بعد انتهاء الحرب، بل إحدى أدوات إنهائها. وبدء الحوار الآن لا يعني تجاهل معاناة المدنيين، أو التفاوض على توزيع المناصب، أو القفز فوق الأولويات الإنسانية. المقصود أن يناقش السودانيون، بالتوازي مع الجهود الأخرى، كيف تتوقف الحرب، وكيف تصل المساعدات، وكيف يعود النازحون واللاجئون، وما الضمانات التي تمنع تجدد القتال، وكيف تنتهي الحرب بجيش واحد ودولة واحدة، لا بسلطات وجيوش موازية.

ومن هذه الزاوية، قد تخدم تحركات «صمود» الحوار أكثر مما تضره. فإذا نجحت في زيادة الضغط من أجل وقف الحرب وفتح المسارات الإنسانية، فهي تساعد في تهيئة بيئة أفضل للعملية السياسية. وإذا عرضت أمام الأطراف الدولية اعتراضاتها على الحوار أو توقيته أو آلياته، فهي تضع هذه القضايا على الطاولة وتلفت انتباه المجتمع الدولي إليها، بدلاً من بقائها اعتراضات معلقة قد تُستخدم لاحقاً لتعطيل أي مسار سياسي.

وفي هذه الحالة سيظل السؤال قائماً: ما البديل الذي تطرحه «صمود»؟ هل تنتظر القوى المدنية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار قد يطول، أم تترك للرباعية والخماسية صياغة المسار السياسي ثم تلتحق به بعد اكتماله؟

الجهود السودانية الجارية لتسهيل الحوار نبعت من رحم معاناة المواطنين، ومن الحاجة إلى ألا يظل مستقبل البلاد معلقاً بالحرب والمبادرات الخارجية. وهي ليست منصة مضادة لـ«صمود» أو لغيرها، وإنما مساحة يفترض أن تتسع لمختلف المواقف، ويظل استقلالها عن التحالفات السياسية شرطاً لنجاحها ومصداقيتها.

وهنا تبرز أسئلة لا تخص «صمود» وحدها، بل مجمل العملية السياسية: هل ينبغي أن تتوقف بداية الحوار على موافقة تحالف بعينه أو على اكتمال الترتيبات التي يراها مناسبة؟ وهل يستطيع أي حزب أو تحالف أن يدعي تمثيل المدنيين بصورة مطلقة، خصوصاً مع الزخم المتصاعد داخل السودان، واللقاءات المتعددة لأصحاب المصلحة، وبروز قوى اجتماعية ومهنية ومجتمعية لا تنتمي بالضرورة إلى الاصطفافات السياسية المعروفة؟

ولا مشكلة في أن تلتقي «صمود» دول الرباعية أو أطراف الخماسية، أو أن تعرض اعتراضاتها على الحوار. لكن المشكلة تبدأ إذا نُقل الخلاف السوداني بالكامل إلى الخارج، أو استُخدمت أولوية إنقاذ المدنيين لإرجاء نقاش سياسي يمكن أن يسهم في إنقاذهم.

فالعمل الإنساني لا يجري في فراغ سياسي. فتح الممرات يحتاج إلى اتفاق، وحماية المدنيين تحتاج إلى ضمانات، وعودة المواطنين تحتاج إلى أمن وسلطة وخدمات. والحوار الذي يبدأ الآن لا ينافس جهود وقف الحرب، بل يوفر لها قاعدة وطنية ويمنع أن تظل تطورات الميدان وحدها هي التي تقرر مستقبل البلاد.

نيويورك تستطيع تنسيق المواقف وتوفير الدعم والضمانات، لكنها لا تستطيع إنتاج شرعية سياسية سودانية. والرباعية والخماسية تستطيعان مساعدة السودانيين على الاجتماع، لكن لا ينبغي أن تجتمعا بدلاً عنهم أو تختارا من يمثلهم.

السؤال ليس: هل نوقف الحرب أولاً أم نبدأ الحوار أولاً؟ السؤال الصحيح هو: لماذا لا نوقف الحرب، وننقذ المدنيين، ونبدأ الحوار في الوقت نفسه؟

فالحوار لا ينتظر صمت البنادق؛ بل هو أحد السبل إلى إسكاتها.

Exit mobile version