لم تكن الأندية الثقافية في الخرطوم مجرد مقار للأنشطة أو منصات للعروض والمنافسات، بل مثلت لسنوات مساحات اجتماعية مفتوحة يلتقي فيها سكان الأحياء حول المسرح والموسيقى والقراءة والرياضة الثقافية.
ومع اندلاع الحرب، تعرض كثير من هذه الأندية للنهب والتخريب، وتوقفت أنشطتها، لتفقد الأحياء واحدة من أهم مساحات التلاقي التي صنعت جانباً من ذاكرتها الاجتماعية.
اليوم، تبدو مهمة إعادة هذه الأندية إلى الحياة جزءاً من معركة أوسع لاستعادة النشاط الثقافي في العاصمة، وليس مجرد إصلاح مبانٍ أو تعويض ممتلكات مفقودة.
وفي بحري، بدأت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم جولة ميدانية للوقوف على أوضاع الأندية والمسارح الثقافية، خاصة المؤسسات التي كانت صاحبة حضور بارز قبل الحرب وشاركت بفاعلية في منافسات الدوري الثقافي.
وكان نادي كوبر الثقافي إحدى المحطات الأولى للجولة، حيث وقف المدير العام الوزير المكلف للوزارة، الطيب سعد الدين، برفقة مدير الإدارة العامة للثقافة موسى عثمان، على أوضاع النادي، بحضور ممثل محلية بحري ومدير الوحدة الإدارية لمنطقة كوبر ومدير الإدارة العامة للثقافة والإعلام بالمحلية.
ذاكرة المكان
النقاش حول نادي كوبر لم يتوقف عند حجم الخسائر التي لحقت بمحتوياته، وإنما امتد إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه النادي في مرحلة ما بعد الحرب.
فالنادي الذي كان جزءاً من الحياة الثقافية في المنطقة، وجد نفسه أمام واقع جديد فرضته الحرب، فيما حاولت لجنة النادي فتح أبوابه مجدداً أمام السكان. ومن أبرز تلك المبادرات إتاحة مقر النادي للمواطنين لمتابعة مباريات كأس العالم التي أقيمت خلال يونيو ويوليو الماضيين، في محاولة لاستعادة المكان لدوره الاجتماعي ولو من بوابة مختلفة.
ويرى القائمون على النادي أن استعادة النشاط الثقافي تبدأ من استعادة قدرة المكان على استقبال الناس، لأن النادي الثقافي لا يعيش بالمبنى وحده، وإنما بالجمهور والبرامج والمبادرات التي تصنع صلته بالحي.
ما بعد الحرب
الخسائر التي لحقت بنادي كوبر لا تبدو منفصلة عن المشهد الأوسع الذي خلفته الحرب في الممتلكات العامة والخاصة. غير أن التحدي الثقافي يتمثل في منع تحول تلك الخسائر إلى نهاية دائمة لدور المؤسسات التي ظلت لسنوات جزءاً من النسيج الاجتماعي للأحياء.
وخلال الاجتماع المشترك الذي ضم إدارة النادي ولجنة تسيير الخدمات بالحي، برزت الحاجة إلى تنسيق الجهود المحلية لإعادة تأهيل النادي، بحيث لا تعمل كل جهة بصورة منفصلة عن الأخرى.
وأكد سعد الدين أن إعادة تأهيل النادي ينبغي أن تتكامل مع جهود لجنة تسيير الخدمات، مشيراً إلى أن استعادة المؤسسة لدورها تحتاج إلى تضامن مختلف مكونات المنطقة.
ولا تتعلق المسألة هنا بإعادة تأهيل مبنى فقط، بل بإعادة الاعتبار إلى مؤسسة تحمل تاريخاً من الأنشطة والإنجازات على المستويين المحلي والولائي.
ثقافة الأحياء
تكشف تجربة كوبر عن سؤال أكبر يواجه الأندية الثقافية في الخرطوم: كيف يمكن إعادة هذه المؤسسات إلى وظيفتها الأصلية في مجتمع أنهكته الحرب والنزوح والانقطاع الطويل عن الحياة العامة؟
الإجابة قد تبدأ من الأحياء نفسها، عبر لجان الإدارة والمثقفين والشباب والفنانين والمهتمين، قبل أن تنتقل إلى الدعم الرسمي.
فالأندية الثقافية يمكن أن تتحول، في مرحلة التعافي، إلى مساحات للقراءة والمسرح والموسيقى والمعارض والحوارات المجتمعية، وإلى أماكن تستعيد فيها الأحياء شيئاً من علاقاتها التي قطعتها الحرب.
ومن هنا، فإن جولة الوزارة تفتح ملفاً أوسع من نادي كوبر: ملف الثقافة المحلية التي تحتاج إلى العودة إلى الشارع، وإلى الجمهور، وإلى الأحياء التي صنعتها قبل أن تطوي الحرب صفحات طويلة من نشاطها.


















