الخرطوم : انتصار فضل الله
لم يكن أول زبون يدخل محل «تمر الخريجين» بعد عودة صاحبه إلى السوق العربي بالخرطوم مجرد مشترٍ جاء لاقتناء بعض السلع، بل كان بالنسبة إلى محمد نور محمد عبد الرحمن حسين إعلاناً صغيراً عن عودة الحياة إلى المكان الذي غادره مع اندلاع الحرب، وظل بعيداً عنه حتى بعد تحرير العاصمة بثلاثة أشهر.
يستعيد حسين تلك اللحظة بابتسامة، ويقول لـ«نبأ السودان» إنه عندما دخل أول زبون إلى المحل، وكان من سكان المنطقة القريبة، استقبله بالحلوى والعصير، قبل أن يجلس معه ويتبادل الحديث حول الأوضاع وما جرى خلال فترة الحرب. لم يكن اللقاء تجارياً بقدر ما كان لحظة إنسانية أعادت إليه الإحساس بأن الخرطوم بدأت تسترد أهلها وحياتها.
ويضيف أن مشاعره في ذلك اليوم اختلط فيها الفرح بالحزن؛ فرحة بوجود مواطنين عادوا إلى المنطقة وأصبحوا قريبين من محله، وحزن على أعزاء وجيران كانوا يجاورونه وفقدهم خلال الحرب، ولم يعودوا موجودين ليشاركوه لحظة استئناف الحياة.
مجازفة العودة
غادر حسين المنطقة منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، لكنه عاد بعد ثلاثة أشهر من تحرير الخرطوم، ليجد المحل نفسه الذي تركه، دون تغيير في مكانه أو هويته التجارية.
ويقول إنه لم يكن يتوقع أن يجد الخرطوم بهذه الصورة، فقد فوجئ بخلو المدينة من آثار الحرب التي كان يتخيل أنها ستظل حاضرة في تفاصيلها، كما لفت انتباهه نظافة الشوارع وعودة المواطنين إلى مناطقهم.
لكن المفاجأة الأكبر بالنسبة إليه كانت عودة الناس، ووجود حركة سكانية حول المحل، رغم أنه لم يكن يتوقع أن يجد إقبالاً على الشراء في تلك الفترة.
ويعترف حسين بأن قرار العودة كان مجازفة محسوبة، لكنه كان يرى أنها مجازفة لا بد منها، ليس فقط لاستعادة نشاطه التجاري، وإنما لأن عودة تاجر واحد يمكن أن تشجع أصحاب المحال المجاورة على اتخاذ الخطوة نفسها، وتكسر حالة التردد والانتظار.
من أول زبون إلى انتعاش البيع
ومع مرور الوقت، بدأت حركة البيع تتحسن داخل المحل، الذي يعتمد بصورة أساسية على التمور والبلح القادم من الولاية الشمالية، ويضم نحو 16 إلى 17 صنفاً محلياً، من بينها الجنديلة والجاو والبركاوي والكولما والتمودة والكرشة، إلى جانب العجوة السعودية وبلح القصيم.
ويصف حسين حركة الشراء الحالية بأنها «مقبولة ومبشرة»، مشيراً إلى زيادة الإقبال خلال الفترة الأخيرة، وعدم تسجيل خسائر رغم الظروف الاقتصادية.
ولا تقتصر المعروضات على التمور، إذ تشمل عسل السدر والعسل الملكي والعسل الجبلي، والسمن البلدي والمكسرات والبقوليات والدوم والعرديب والجنجليس والفشار، إلى جانب الحلويات المحلية والمستوردة.
وتتراوح أسعار ربع الكيلة من التمور بين 50 و120 ألف جنيه، وفقاً للصنف والجودة، فيما يبلغ سعر بعض المنتجات الشعبية، مثل «البدر» المصنوع من التبلدي والدوم والجنجليس، نحو 20 ألف جنيه، ويصل سعر نصف كيلو الدوم الحب إلى 10 آلاف جنيه.
السوق يستعيد ذاكرته
بالنسبة إلى حسين، فإن عودة النشاط إلى المحل لا تقاس فقط بعدد الزبائن أو حجم المبيعات، بل بما تعنيه من استعادة العلاقة بين التاجر والمواطن، وعودة الوجوه التي اعتادت المرور بالسوق، وفتح أبواب المحال التي ظلت مغلقة بفعل الحرب.
وبين فرحة استقبال الزبائن ومرارة فقدان الجيران، يواصل صاحب «تمر الخريجين» عمله في الموقع نفسه، مستنداً إلى قناعة راسخة بأن عودة الأسواق تبدأ بقرار يتخذه أصحابها، وأن عودة تاجر قد تفتح الطريق أمام آخرين.
وهكذا، لم تكن الحلوى والعصير اللذان قدمهما لأول زبون مجرد ضيافة عابرة، بل احتفالاً شخصياً بعودة الحياة إلى سوق افتقد أهله وناسه، وأملاً في أن تستعيد الخرطوم أيامها التجارية والاجتماعية.


















