الخرطوم : انتصار فضل الله
بعد عقود من الحروب والاتفاقيات والتسويات التي أوقفت القتال مؤقتاً من دون أن تنهي أسبابه، يعود السودان إلى السؤال الأصعب: لماذا تفشل كل محاولات إغلاق دائرة الحرب؟ وهل المشكلة في غياب الاتفاق، أم في أن الاتفاقات السابقة ظلت تعالج نتائج الأزمة وتترك جذورها مفتوحة؟
في هذا الحوار، يضع إدريس محمود لقمة، القيادي بحركة العدل والمساواة والكتلة الديمقراطية، الحوار السوداني ـ السوداني أمام اختبار مختلف؛ إذ يرى أن أي عملية سياسية جديدة لن تكون ذات جدوى إذا أعادت إنتاج تجارب سابقة سيطرت فيها جهة واحدة على مسار الحوار، أو تحولت فيها التسويات إلى ترتيبات لتقاسم السلطة بدلاً من معالجة قضايا الدولة.
ويدعو إلى حوار واسع لا يستثني السودانيين على أساس الجغرافيا أو الانتماء السياسي، ولا يسمح في الوقت نفسه لمن يختار الحرب أو التدخل الخارجي بفرض شروطه على مستقبل البلاد.
وطرح لقمة ل «نبأ السودان»، رؤية مثيرة للجدل بشأن مشاركة العسكريين والحركات المسلحة، وحدود استبعاد بعض القوى، ودور المجتمع الدولي، ويضع الدستور في قلب التسوية التي يرى أنها يجب أن تتحول إلى عقد وطني ملزم.
نص الحوار
*بعد كل الحروب والاتفاقيات والمبادرات التي عرفها السودان منذ الاستقلال، لماذا تعتقدون أن الحوار السوداني ـ السوداني هو ما يمكن أن ينهي الأزمة، لا اتفاقاً جديداً بين أطراف الأزمة؟
-الحوار السوداني ـ السوداني بالنسبة لنا ليس طرحاً جديداً أو نداءً طارئاً؛ ظللنا ننادي به منذ سنوات، وحتى عندما كنا في معارضة النظام كنا نطالب بتبني حوار سوداني ـ سوداني، لأننا نؤمن بأن الحوار هو المخرج لقضايا الدولة السودانية المتراكمة منذ ما قبل الاستقلال.
جذور هذه القضايا هي التي أدت إلى نشوب الحروب. وفي جانب كبير منها، جاءت الحروب نتيجة لغياب الحوار الحقيقي وعدم الوصول إلى معالجات لقضايا الدولة الأساسية، وفي مقدمتها الهوية والدستور والفيدرالية وعلاقة الدين بالدولة والعلاقة بين الأقاليم والمركز، إلى جانب توزيع السلطة والثروة والمظالم التي تراكمت عبر السنوات.
المشكلة أن الدولة تعاملت في كثير من الأحيان مع نتائج الحرب بدلاً من معالجة أسبابها، فظل السودان يدور في الحلقة نفسها: قضية لم تُحل تؤدي إلى حرب، ثم تتم معالجة آثار الحرب باتفاق، قبل أن تعود الأزمة من جديد.
*لكن أليست هناك عشرات المبادرات والاتفاقيات التي حاولت معالجة هذه القضايا؟
-منذ ستينات القرن الماضي، انصب التركيز في الغالب على معالجة نتائج الأزمات، بينما لم تتم مخاطبة القضية الأساسية بصورة شاملة: أن يجلس السودانيون بكل مكوناتهم ويتوافقوا على وثيقة تعبّر عن تراضٍ حقيقي حول شكل الدولة وقضاياها الأساسية.
وهذا هو جوهر الحوار السوداني ـ السوداني الذي ننادي به؛ أن نعالج جذور الأزمة، وليس مجرد تسوية مؤقتة لنتائجها.
*من هو الذي يجب أن يجلس إلى طاولة الحوار؟
-أكبر قدر ممكن من أهل السودان: القواعد الشعبية، والنازحون واللاجئون، والأحزاب والقوى السياسية، والإدارات الأهلية، والطرق الصوفية، والشباب والنساء والمكونات المهنية، والأجهزة النظامية، وغيرها من المكونات.
المهم أن يشعر المواطن بأنه شارك في صناعة القرار، وأن صوته كان موجوداً في الحوار. عندما يشعر بذلك يصبح أكثر ارتباطاً بمخرجاته واستعداداً للالتزام بها.
*هل يمكن أن ينجح حوار شامل بينما البنادق لا تزال تتحدث في الميدان؟
-الحوار الشامل لا يمكن أن يكتمل في ظل حرب مستمرة؛ لأنه يحتاج إلى مناخ من الأمن يسمح للسودانيين بالتحرك والوصول والتعبير عن آرائهم بحرية.
لكن هذا لا يعني انتظار نهاية الحرب بصورة كاملة قبل البدء. يمكن الآن إطلاق الحوار التمهيدي، وتقريب وجهات النظر، وبناء الثقة وتهيئة الناس نفسياً وسياسياً للحوار، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
ولا يشترط أن يُعقد الحوار في الخرطوم. يمكن أن يكون في الأبيض أو بورتسودان أو دنقلا أو أي مدينة تتوافر فيها الظروف المناسبة. المهم أن تتاح المشاركة للسودانيين الموجودين في الأقاليم وخارج مناطقهم، بمن فيهم النازحون واللاجئون.
*ألا تخشون أن يتحول الحوار نفسه إلى نسخة جديدة من حوارات سابقة تهيمن عليها جهة واحدة؟
-هذا أحد أهم المخاوف. لا نريد جهة تتحدث باسم الآخرين أو تصادر أصواتهم. ولا نريد تكرار تجربة «الحوار الوطني» المعروفة بـ«الوثبة»، عندما كانت جهة واحدة تدير الحوار وتستدعي المجموعات وفق رؤيتها.
الحوار الحقيقي يتطلب أن تكون الأطراف متساوية في حقها في طرح رؤاها ومناقشتها والوصول إلى مخرج متوافق عليه. لذلك نحتاج إلى برنامج منظم يبدأ بتهيئة المناخ وبناء الثقة، ثم ينتقل إلى الحوار الشامل.
*برأيك كيف سيُحسم تمثيل الشرق والغرب والوسط والولايات والمكونات المختلفة؟
-من المبكر استباق هذه المسألة. هناك لجنة تمهيدية لتهيئة الحوار تعمل على التقاربات ووضع بعض الأسس والتفاكر مع المجموعات حول شكل الحوار وآليات التمثيل. وبعد ذلك تُكوّن لجنة لإدارة الحوار بمشاركة القوى والمكونات المختلفة، مع مراعاة الأقاليم والولايات والإثنيات وغيرها.
ومن المسؤوليات المقبلة للجنة وضع آليات تمنع الاختلال في تمثيل الوسط والشرق والغرب وبقية المناطق. ولا نريد أن تسيطر جهة واحدة على العملية، لأن ذلك سيجعل الحوار يسير وفق مفهومها الخاص، وهذا لا ينتج حواراً سودانياً ـ سودانياً حقيقياً.
*هل هناك قضية واحدة إذا لم تُحسم ستعيد السودان إلى الحرب؟
-لا أعتقد أن هناك قضية واحدة يمكن اعتبارها وحدها «القشة التي تقصم ظهر البعير». الأزمة نتاج مجموعة قضايا متداخلة.
هناك من يرى أن تقاسم السلطة والثروة هو الأساس، وهناك من يضع الهوية في المقدمة، وآخرون يرون أن علاقة الدين بالدولة هي القضية الأهم، بينما يربط البعض الأزمة بشكل الدولة ونظام الحكم والفيدرالية، وهناك من يرى أن المظالم التاريخية واختلال توزيع السلطة منذ الاستقلال هي أصل المشكلة.
لذلك لا بد من مناقشة هذه القضايا مجتمعة، حتى لا نعالج قضية ونترك أخرى تعود إلى الواجهة لاحقاً.
*وأين يقع الدستور وسط كل هذه القضايا؟
الدستور قضية أساسية. السودان، بعد نحو سبعة عقود من الاستقلال، لم يصل إلى دستور دائم يحظى بتوافق السودانيين، رغم تعدد التصورات الدستورية.
لذلك يجب أن تكون قضية الدستور حاضرة منذ بداية الحوار، ليس فقط بتكوين لجنة فنية لصياغته، وإنما بالاتفاق أولاً على مرتكزاته ومبادئه الأساسية، ثم تترك الصياغة للجنة متخصصة.
وقد يستغرق الحوار عاماً أو عامين أو أكثر، لكن المهم أن يصل السودانيون في نهايته إلى دستور يمثل عقداً وطنياً يحتكمون إليه. فإذا حدث خلاف لاحقاً، يكون الاحتكام إلى الدستور المتوافق عليه، لا العودة في كل مرة إلى نقطة الصفر.
*أين تقفون من مشاركة الجيش والحركات المسلحة في الحوار، خصوصاً أن بعضها لا يزال موجوداً في المشهد العسكري؟
-نحن نرى ضرورة الفصل بين المسار الأمني ومسار الحوار السياسي. القوات المسلحة والدعم السريع المتمردة والمجموعات المعنية بالقتال يكون دورها الأساسي في مسار وقف إطلاق النار والهدن والترتيبات الأمنية.
لكن هذا لا يعني استبعاد كل من يحمل السلاح من الحوار. فهناك حركات موقعة على اتفاقيات السلام ولها قيادات وبرامج سياسية، ويمكن أن تشارك باعتبارها قوى سياسية، كما أن القوات المسلحة، بحكم دورها في الدولة، ينبغي أن تكون جزءاً من التوافق العام حتى لا تبقى أي جهة خارج الوثيقة التي يتوافق عليها السودانيون.
أما المجموعات التي لا تحمل مشروعاً سياسياً وتوجد في ساحة القتال، فينبغي أن تُعالج أوضاعها أولاً عبر المسار الأمني.
*وماذا عن حركات الكفاح المسلح والقوات المشتركة تحديداً؟
-هذه الحركات لديها برامج ورؤى سياسية، ولم يكن العمل العسكري بالنسبة إليها سوى آلية لتحقيق أهداف سياسية. واتفاقية جوبا للسلام وضعت آليات لدمج القوات في القوات المسلحة والتحول إلى العمل السياسي والمدني، لكن الحرب اندلعت قبل اكتمال تنفيذ الاتفاقية.
لذلك فإن مشاركتها في الحوار تكون بالصفة السياسية والمدنية، وليس باعتبارها كتلاً عسكرية. ولديها تجربة طويلة وطرح سياسي يرتبط بقضايا مثل إنهاء الحروب ونقض العهود واحتكار السلطة وإقصاء المكونات.
*ومن تقبلون بمشاركته ومن ترون ضرورة استبعاده؟
-هناك جهات يمكن أن تكون موضع استبعاد، وفي مقدمتها المؤتمر الوطني بهذا المسمى. لكن لا يمكن أن نمنع كل من كان عضواً فيه من المشاركة بصورة مطلقة.
المعيار يجب أن يكون أكثر تحديداً. القيادات والمجموعات التي ارتكبت جرائم أو ثبت تورطها في انتهاكات أو الاستيلاء على أموال الشعب ينبغي استبعادها. أما الشباب والقيادات الوسطية ممن كانوا داخل التنظيم، فلا ينبغي النظر إليهم جميعاً بالمنطق نفسه.
المهم التفريق بين التنظيم كاسم ومشروع سياسي وبين الأفراد، مع تطبيق معايير واضحة بشأن المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات.
*وما موقفكم من الأطراف التي تلجأ إلى الخارج أو تستخدم السلاح لفرض رؤيتها؟
-أي مجموعة تختار اللجوء إلى القتال أو الاستعانة بأطراف خارجية أو جلب مرتزقة للمشاركة في الصراع، ينبغي أن تكون موضع استبعاد من عملية صناعة القرار وفق معايير واضحة تنطبق على الجميع.
المعيار يجب أن يكون الالتزام بالحوار ورفض العنف والانتهاكات والتدخلات الخارجية، وليس الانتماء السياسي وحده.
*ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه المجتمع الدولي ودول الجوار؟
-دورهم يجب أن يكون التيسير، وليس صناعة القرار. يمكنهم تقديم الدعم الفني والمالي والإعلامي واللوجستي والمشورة، والاستفادة من خبراتهم في ملفات معقدة مثل العدالة الانتقالية.
لكن الحل يجب أن يبقى سودانياً. السودان يمتلك مفكرين وعقولاً قادرة على معالجة قضاياه، ولا نريد إملاءات خارجية.
أما الجهات التي تسعى إلى خلق الأزمات أو دعم تفتيت الدولة، فنحن نطالب المجتمع الدولي بالضغط عليها.
*وماذا عن تعدد المبادرات الإقليمية والدولية؟
ألا يهدد ذلك فرص الوصول إلى اتفاق وطني؟
-إذا وصلنا إلى مبادرة حقيقية تجمع أهل السودان، فإنها ستسحب البساط تلقائياً من المبادرات الأخرى.
الأهم أن يتراضى السودانيون فيما بينهم ويقدموا التنازلات اللازمة للوصول إلى حل. كل دولة تقدم مبادرة لديها أهداف وأجندات ومصالح، ولذلك يمكن تجاوز المبادرات الخارجية من خلال حوار سوداني ـ سوداني أصيل ينبع من داخل السودان.
*في النهاية، ما الوثيقة التي تريدون أن يخرج بها هذا الحوار؟
-نريد وثيقة وفاق للدولة السودانية بمشروع متكامل، يشارك الجميع في صياغتها ويوقعون عليها. وبمجرد أن ترتضي المكونات السودانية هذه الوثيقة، تصبح مرجعية للعمل السياسي، ويكون الالتزام بها مسؤولية الجميع.
المطلوب ألا نعود بعد كل أزمة إلى نقطة الصفر. نريد أن يضع السودانيون أساساً جديداً لدولتهم، يناقش قضاياها الكبرى ويحدد شكلها ونظام حكمها وعلاقة مكوناتها، ويضع دستوراً يحتكم إليه الجميع ، وهنا تكمن أهمية الحوار أن ينتقل السودان من إدارة نتائج أزماته إلى معالجة أسبابه.

















