– شارع المطار والمناطق المحيطة به نموذجا
تقرير : إنتصار فضل الله
في شارع المطار بالخرطوم، تبدو المدينة وكأنها تحاول استعادة إيقاعها القديم. مطاعم عادت إلى العمل، وأخرى تستقبل زبائنها على نحو متزايد، فيما تشهد المنطقة أمسيات وفعاليات تعيد شيئًا من الحركة التي غابت عنها طوال سنوات الحرب.
رصد ميداني أجرته «نبأ السودان» أظهر عودة نحو 50% من نشاط المطاعم في شارع المطار، بالتزامن مع تدافع المواطنين وعودة الحركة إلى الشارع، بينما بدأت فنادق ومحال تجارية في مناطق محيطة باستئناف نشاطها بعد غياب كامل منذ استعادة الخرطوم.
ولا تتوقف مظاهر العودة عند المطاعم والمتاجر؛ فالشارع يشهد حركة مواصلات وزحامًا ممتدًا، في مشهد يعكس عودة تدريجية للسكان والنشاط التجاري.
لكن خلف هذه الصورة، تبدو كلفة العودة مرتفعة.
ويواجه المواطنون موجة غلاء واضحة في أسعار عدد من السلع الأساسية، خصوصًا الزيت والصابون واللحوم والألبان ومنتجاتها، فيما يصف متعاملون في الأسواق الوضع بأنه «غلاء طاحن» يضغط على القدرة الشرائية حتى مع عودة حركة الشراء.
تكشف جولة «نبأ السودان» عن ارتفاع واضح في أسعار عدد من السلع الغذائية الرئيسية ، إذ بلغ سعر كيلو اللحم العجالي نحو 44 ألف جنيه، والضأن 65 ألفًا، بينما وصل كيلو الدجاج إلى 37 ألف جنيه، والسمك إلى نحو 20 ألفًا.
وفي قطاع الألبان، بلغ سعر كيلو اللبن السعودي نحو 50 ألف جنيه، بينما تراوحت أسعار الأنواع المصنعة الأخرى بين 30 -45 ألف جنيه للكيلو. وسجل سعر عبوة الزيت سعة 3 لترات نحو 17 ألف جنيه، في وقت يؤكد فيه متعاملون أن أسعار السلع الأساسية باتت تمثل ضغطًا متزايدًا على ميزانيات الأسر.
ويقول صاحب محل تجاري، حامد الزبير، لـ«نبأ السودان»، إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بصورة كبيرة، مشيرًا إلى أن الشراء بالدين أصبح هو السائد حاليًا، في ظل اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف المعيشة.
أما المواطن كمال سيد أحمد، فيبدي استغرابه من سرعة عودة الحركة إلى منطقة شهدت دمارًا واسعًا خلال الحرب، لكنه يرى أن عودة الناس لم تُنهِ معاناتهم، قائلًا إن «الغلاء السافر» طال كل شيء تقريبًا.
مواصلات تعود.. وتكلفة تتضاعف
وفي الشارع، تبدو المواصلات أكثر نشاطًا من الفترة السابقة، لكن السائقين يواجهون بدورهم ارتفاع تكاليف التشغيل.
وقالسميرف عباس أحد سائقي المواصلات على خط شارع المطار إن الطريق أصبح جيدًا والركاب موجودين، إلا أن مشكلات الدفع الإلكتروني عبر تطبيق «بنكك» تتسبب في تعطيل الرحلات وتدخل السائقين والركاب في مشادات متكررة.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الوقود دفع إلى زيادة تعرفة المواصلات، بينما ارتفعت تكاليف المعيشة وقطع الغيار، الأمر الذي يجعل السائق أمام معادلة صعبة بين تكلفة التشغيل وقدرة الركاب على الدفع.
الكهرباء.. تحسن نسبي لا يكفي
وتبدو الكهرباء أفضل مقارنة بالفترة السابقة، بحسب الرصد الميداني، إذ تراجعت ساعات القطوعات في بعض المناطق، لكنها لا تزال تصل إلى نحو 6 ساعات في فترات متباينة من منطقة إلى أخرى، وهو ما ينعكس مباشرة على الأنشطة التجارية التي تعتمد على التيار الكهربائي.
ويأتي ذلك بينما أقرت وزارة الطاقة بوجود تحديات مستمرة في قطاع الكهرباء، بينها ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة والوقود، إلى جانب عدم استقرار الشبكة والأعطال، مؤكدة أن أعمال التأهيل تجري بالتزامن مع عودة المواطنين واحتياجات القطاعات السكنية والإنتاجية.
وفي المقابل، قالت الحكومة في مايو الماضي إن خطتها الإسعافية للكهرباء تتضمن معالجة مشكلات التوزيع وصيانة وتركيب أكثر من 1100 محول في العاصمة الخرطوم.
المياه.. الحلقة الأضعف
إذا كانت الكهرباء تسجل تحسنًا نسبيًا، فإن المياه لا تزال تمثل أزمة أكثر حدة في عدد من المناطق السكنية.
وتشير المعطيات الحكومية إلى أن قطاع المياه ما زال ضمن الملفات الأساسية المرتبطة بتهيئة الخرطوم لعودة المواطنين، بينما اضطرت الولاية في وقت سابق إلى توفير وقود احتياطي لتشغيل محطات المياه والآبار خلال فترات انقطاع الكهرباء.
وهكذا، تكشف الجولة الميدانية لـ«نبأ السودان» عن مدينة تستعيد *الحركة قبل أن تستعيد شروط الحياة الطبيعية؛ مطاعم تفتح أبوابها، ومتاجر تعود، ومواصلات تزدحم، ومواطنون يتدافعون إلى الأسواق والفعاليات، لكن في المقابل أسعار ترتفع، ومياه تشح، وكهرباء تنقطع، ودخول لا تواكب كلفة المعيشة.
فالخرطوم تبدو اليوم أكثر حركة من الأمس، لكن السؤال الذي تتركه هذه العودة مفتوحًا هو: *هل تكفي عودة النشاط التجاري لتكون عودة للحياة، أم أن المدينة تحتاج إلى استعادة الخدمات والقدرة الشرائية قبل أن تقول إنها تعافت؟


















