الخرطوم : انتصار فضل الله
تواجه سوق العقارات في الخرطوم ضغوطاً متزايدة، في وقت تتداخل فيه أزمة الخدمات وارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف التشغيل مع تنامي الطلب على العقارات، ما دفع أسعار البيع والإيجارات إلى مستويات قياسية، وأصبح استئناف النشاط العقاري مرتبطاً بصورة مباشرة بسرعة إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وقال رئيس شعبة المكاتب العقارية بالخرطوم، محمد صلاح، خلال تصريحات صحفية اليوم الثلاثاء إن الارتفاع الحالي في أسعار العقارات لا يرتبط بصورة أساسية بالممارسات التسويقية أو نشاط السماسرة، وإنما يعود إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، إلى جانب اختلال معادلة العرض والطلب.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الوقود، وفي مقدمتها الجازولين، انعكس على كلفة تشغيل العقارات والمنشآت، بالتزامن مع زيادة تكلفة تجهيز الوحدات السكنية بالخدمات الحديثة، مثل المكيفات ومنظومات الطاقة الشمسية والمولدات الكهربائية، ما رفع الكلفة النهائية على المالك والمستأجر معاً.
الأسعار تقفز
وفي المناطق العقارية المميزة، تجاوز سعر المتر المربع حاجز 1,500 دولار، بينما بلغ متوسط إيجار الشقق المجهزة بالخدمات، بما فيها المولدات والطاقة الشمسية، نحو 1,000 دولار شهرياً.
كما تراوحت إيجارات الشقق المفروشة والفندقية بين 650 ألفاً ومليون جنيه سوداني يومياً، في مؤشر على اتساع الفجوة بين العرض والطلب، خصوصاً مع استمرار خروج عدد كبير من الوحدات السكنية والمجمعات من الخدمة.
ويقدر رئيس الشعبة أن نحو 90% من الأبراج السكنية أصبحت خارج الخدمة بسبب تلف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، مشيراً إلى أبراج منطقة رياض النصر التي تضم نحو 42 برجاً، بواقع 40 شقة لكل برج، إلى جانب أبراج شارع الستين.
الكهرباء أولاً
ويرى صلاح أن الكهرباء تمثل العقبة الأبرز أمام عودة السكان إلى الأبراج والمجمعات السكنية، لافتاً إلى فقدان أو تلف محولات وكابلات ولوحات كهربائية في عدد من المواقع.
وأشار إلى أن اتحاد الملاك يعمل على جمع مساهمات لإعادة شراء المعدات وإعادة تشغيل الخدمات، داعياً الهيئة القومية للكهرباء إلى تقديم تسهيلات، بينها تقسيط تكلفة المحولات والمعدات أو تخفيض التعرفة، بما يساعد السكان على استعادة الخدمة.
وبحسب الشعبة، فإن اللجوء إلى الطاقة الشمسية لا يمثل حلاً متاحاً على نطاق واسع، بعدما تجاوزت تكلفة تجهيز بعض الأبراج بمنظومات الطاقة الشمسية 40 مليار جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من السكان والمشغلين.
مواد البناء
ولا تقتصر الأزمة على الخدمات، إذ تواجه إعادة الإعمار ارتفاعاً حاداً في أسعار مواد البناء المرتبطة بسعر الصرف. وقالت الشعبة إن أسعار مواد البناء تتحرك سريعاً مع أي تغير في قيمة العملات الأجنبية، الأمر الذي يرفع تكاليف الترميم والصيانة ويؤجل قرارات المواطنين بإعادة تأهيل مساكنهم ومحالهم.
وترى الشعبة أن غياب الأطر التشريعية والرقابية الفاعلة يتيح مساحة للمضاربات والزيادات غير المبررة، مطالبة بتدخل الدولة لضبط السوق وحماية حقوق الملاك والمستأجرين.
تنظيم الوساطة
وفي محاولة لتنظيم القطاع، أعلنت الشعبة إجازة قانون الوساطة العقارية التجارية من قبل وزارة العدل ومجلس الوزراء، باعتباره خطوة لتقنين نشاط المكاتب والوسطاء وإدخال القطاع تحت المظلة الضريبية، بما يعزز حماية المتعاملين والدولة.
وأكدت الشعبة في الوقت ذاته وجود تنسيق مع الأجهزة التنفيذية والأمنية لمواجهة الجرائم المرتبطة بالعقارات والشقق المفروشة والتزوير.
وتطالب الشعبة بعقد اجتماعات عاجلة تجمع الجهات الحكومية والشركات المالكة للأبراج، بما فيها الشركات الاستثمارية وشركات البترول والمستثمرون السودانيون، لوضع جداول زمنية للصيانة وإعادة تأهيل المباني والخدمات.
وترى أن معالجة الكهرباء، وخفض كلفة مواد البناء، وتنظيم سوق الوساطة، تمثل ثلاث حلقات مترابطة لاستعادة النشاط العقاري، معتبرة أن عودة السكان إلى الخرطوم لن تتحقق بمجرد فتح الطرق أو السماح بالعودة، وإنما بإعادة تشغيل الخدمات وتهيئة بيئة سكنية واقتصادية قابلة للاستقرار.


















