في حوار لـ «نبأ السودان».. رئيس الجبهة الثورية: لا طرف يملك احتكار تمثيل السودان

الجاكومي: أمن البحر الأحمر.. مبادرة ثلاثية تنتظر التحرك السوداني

حوار: انتصار فضل الله

أكد رئيس الجبهة الثورية وتنسيقية القوى الوطنية، محمد سيد أحمد الجاكومي، دعم تنسيقيته للجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني، لكنه شدد على أن دورها يجب أن يقتصر على جمع القوى وتهيئة المناخ، دون إدارة الحوار أو تحديد أطرافه وأجندته.

وقال في حوار ل” نبأ السودان ” ، إن القوى السياسية مطالبة بالتوافق على مشروع وطني، كاشفاً عن مشاورات لتوسيع «تنسيقية القوى الوطنية بلس» إلى تحالف أوسع.

نص الحوار

*تدعمون لجنة تهيئة الحوار، لكنكم تضعون حدوداً واضحة لدورها. أين تنتهي مهمتها وأين يبدأ الحوار؟

-نحن من أوائل القوى السياسية التي أعلنت دعمها غير المشروط والواضح لأعمال لجنة تهيئة الحوار. وجلسنا معها في حوار طويل وعميق وشفاف، وتوافقنا على ثلاثة أمور أساسية: أن تعمل اللجنة على جمع شتات القوى السودانية، وألا تتولى إدارة الحوار السوداني ـ السوداني، وألا يكون من حقها تحديد أجندة الحوار أو أطرافه.

نحن نرى أن اللجنة مهمتها التهيئة وجمع القوى، أما إدارة الحوار وتحديد أجندته وأطرافه فيجب أن تكون محل توافق بين القوى السياسية السودانية نفسها.

*هل يعني ذلك أنكم لا ترون مانعاً في تعديل تركيبة اللجنة أو توسيعها؟

-إذا رأت القوى السياسية إضافة عناصر أو شخصيات إلى اللجنة للمساعدة في قيادة الحوار، فهذا أمر جيد، لكن يجب أن يتم بالتوافق بين القوى السياسية نفسها. القضية الأساسية بالنسبة لنا هي ألا تتحول لجنة التهيئة إلى جهة تفرض أطراف الحوار أو أجندته.

*وما الذي يمكن أن تقدمه لجنة التهيئة في ظل الانقسام السياسي الحالي؟

-المطلوب منها أولاً جمع شتات القوى السودانية وتهيئة المناخ للوصول إلى حوار حقيقي. لدينا قوى سياسية ومدنية ومجتمعية متعددة، وبعضها لا يزال غير راغب في التوافق مع الآخرين، بل إن بعض هذه القوى لديها خلافات داخلية.

لذلك فإن مجرد جمع هذه المكونات حول طاولة واحدة يمثل خطوة مهمة، لكن المرحلة التالية يجب أن تكون مبنية على توافق حقيقي حول مشروع وطني.

*هل تعتقد أن القوى السياسية قادرة وحدها على إنتاج هذا المشروع، في ظل استمرار تأثير التطورات العسكرية؟

-الأمران متداخلان. القوى المدنية بدأت تبلور رؤية وطنية يمكن أن تتراضى عليها القوى السياسية والمدنية، لكن التطورات في الميدان تؤثر أيضاً في العملية السياسية.

كلما تقدم الجيش والقوات المساندة له في الميدان، أصبح الدخول في أي حوار من موقع تفاوضي أقوى. لذلك فإن المعادلة العسكرية تؤثر في المعادلة السياسية، لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى الحل السياسي.

*هل يمكن أن يؤدي استمرار التقدم العسكري إلى تأجيل التسوية السياسية بدلاً من دفعها؟

-المعادلة بالنسبة لنا ليست إما عسكرية أو سياسية. نحن نحتاج إلى المسارين معاً. التقدم في الميدان يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى، لكن الوصول إلى حل مستدام يحتاج في النهاية إلى توافق سياسي.

المشكلة أن بعض القوى السياسية تتعامل مع الميدان باعتباره وحده القادر على إنتاج الحل، بينما ترى قوى أخرى أن الحل السياسي يمكن أن يتم بمعزل عن التطورات العسكرية. ونحن نرى أن الاثنين مرتبطان.

*تتحدثون عن مشروع وطني واحد، لكن محاولات سابقة للتوافق السياسي لم تصمد. أين كانت المشكلة؟

-لدينا تجربتان واضحتان. الأولى كانت مع مستشار رئيس مجلس السيادة، علاء الدين محمد عثمان، وأنتجت توافقاً بين القوى السياسية الوطنية الموجودة في السودان والتي تدافع عن الشرعية.

كما كان هناك مشروع برئاسة الفريق أول شمس الدين كباشي، وقبل نحو ثمانية أشهر تم التوافق بين قوى سياسية ومدنية على رؤية ومشروع واحد.

لكن المشكلة أن هذه المشاريع، بعد الوصول إلى التوافق، لم تكن لديها آليات للمتابعة والتنفيذ، ولذلك انتهت قبل أن تتحول إلى برامج عملية.

*إذن، هل المشكلة في غياب التوافق أم في غياب آليات تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟

-التوافق موجود في بعض المراحل، لكن ما ينقصنا هو آليات المتابعة والتنفيذ. لا يكفي أن تجتمع القوى السياسية وتتفق على وثيقة أو رؤية ثم ينتهي الأمر.

أي مشروع وطني يحتاج إلى جهة أو آلية تتابع ما تم الاتفاق عليه، وتحدد المسؤوليات والجداول الزمنية، وتراقب التنفيذ. هذه نقطة أساسية إذا أردنا ألا تتكرر التجارب السابقة.

*أين يقف مشروع «تحالف القوى الوطنية» وسط هذه المحاولات؟

-لدينا تنسيق قائم تحت مسمى «تنسيقية القوى الوطنية بلس»، وأردنا توسيع دائرة التشاور لتشمل مكونات سياسية ومدنية أخرى تحت مسمى «تحالف القوى الوطنية».

وقد جلسنا أخيراً مع سبعة مكونات سودانية لها حضور وتأثير بين القوى السياسية، وبدأنا مشاورات أولية. وسنواصل اللقاءات مع بقية المكونات، وبعد اكتمال المشاورات يمكن الإعلان عن الصيغة التي يتم التوافق عليها.

*هل لديكم ضمانات تمنع الخلافات حول القيادة والمواقع من تفجير التحالف الجديد؟

-الخلاف حول المواقع كان موجوداً في تجارب سابقة، ولدينا تجربة داخل تنسيقية القوى الوطنية نفسها. كانت تضم الكتلة الديمقراطية وكتلة السلام والحراك الوطني بقيادة التجاني السيسي، إلى جانب مبارك الفاضل ومنظمات مجتمع مدني وإدارات أهلية وطرق صوفية.

عندما وصلنا إلى مرحلة اختيار القيادة حدث خلاف، وتفرقت بعض المكونات، لكن التنسيقية استمرت.

وهذه مشكلة في العمل السياسي السوداني؛ أحياناً إذا لم يقدم المشروع شخص معين، يرفضه البعض لمجرد أن صاحبه طرف آخر، من دون قراءة الرؤية أو مناقشة المشروع. وللأسف لم نتعلم من تجربتنا أن نتناسى ذواتنا ونعمل من أجل القضية الوطنية الكبيرة.

*هل ظهور تحالفات جديدة يعني تراجع دور القوى السياسية التقليدية؟

-لا. ظهور قوى جديدة لا يعني تجاوز القوى القديمة. الواقع السياسي أفرز تحالفات وكتلاً جديدة، لكن القوى التقليدية لا يمكن تجاوزها.

الحزب الاتحادي الديمقراطي، مثلاً، وقف منذ بداية الحرب مع الشرعية ومؤسسات الدولة، ولذلك فهو جزء أصيل من مكونات المشهد السوداني. وكذلك المؤتمر الشعبي وقوى سياسية ومدنية أخرى.

المطلوب ليس إلغاء طرف لمصلحة طرف آخر، وإنما الوصول إلى صيغة تجمع أكبر قدر ممكن من القوى حول مشروع وطني.

*إلى أي مدى تستطيع القوى الجديدة التأثير في صناعة القرار والتفاوض؟

-هناك قوى جديدة أصبحت لها قدرة على التأثير في المشهد السياسي والتفاوض مع المكونات المدنية الأخرى. وتنطلق هذه التحولات من واقع الحرب وما أفرزته من تحالفات جديدة.

تنسيقية القوى الوطنية تضم مكونات سياسية ومجتمعية مختلفة، وهذا يعكس تغيراً في طبيعة التحالفات، لكن ذلك لا يعني أن طرفاً واحداً يستطيع احتكار تمثيل السودان أو تجاوز بقية القوى.

*طرحت التنسيقية مبادرة بشأن أمن البحر الأحمر. لماذا انتقلتم من العمل السياسي الداخلي إلى هذا الملف الإقليمي؟

-في أغسطس 2025 ذهبت إلى إريتريا والتقيت الرئيس أسياس أفورقي في اجتماع استمر نحو ثلاث ساعات، وطرحت عليه رؤية التنسيقية بشأن قيام حلف ثلاثي بين مصر والسودان وإريتريا تحت مسمى «أمن البحر الأحمر».

الرئيس أفورقي اقترح توسيع الحلف ليشمل دولاً أخرى في المنطقة. وكنا نرى أن التحديات الإقليمية تتطلب تنسيقاً بين دول البحر الأحمر، خصوصاً في ظل التوترات المرتبطة بإثيوبيا والأمن الإقليمي.

وطرحت المقترح أيضاً على الجانب المصري، وكانت هناك موافقة مبدئية على الجلوس لمناقشة كيفية إنفاذه، لكن القيادة السودانية، بحسب تقديري، لم تولِ الأمر الاهتمام نفسه.

*هل تربطون بين هذه المبادرة والتطورات العسكرية في النيل الأزرق؟

-كنا نرى أن وجود مثل هذا التحالف يمكن أن يعزز حماية الأمن القومي السوداني ويحد من المخاطر الإقليمية. وقد حذرنا من احتمال فتح جبهات جديدة في مناطق النيل الأزرق، حيث توجد قوات تابعة للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو.

كنا نتحرك من منطلق حماية الأمن القومي الاستراتيجي للسودان، ولذلك كنا نتمنى تنفيذ المشروع في العام الماضي. لكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي.

*وماذا تريدون من التحركات الخارجية التي تقوم بها التنسيقية في المرحلة المقبلة؟

-نحن نتحرك في اتجاه دعم المصالح السودانية وإيصال رؤية القوى الوطنية إلى الأطراف الإقليمية والدولية. وما زيارتنا لرئيس الاتحاد الأفريقي الأسبوع الماضي إلا جزء من هذا التحرك.

ونريد أيضاً إعادة السودان إلى حضن الاتحاد الأفريقي بعد أن انتفت، من وجهة نظرنا، الأسباب التي أدت إلى تعليق وتجميد عضويته.

*هل يمكن أن تتحول هذه التحركات الخارجية إلى دعم مباشر لمسار الحوار السوداني؟

-نعم، وهذا أحد أهدافنا. عملنا على أن تلتقي لجنة تهيئة الحوار برئيس الاتحاد الأفريقي وتطرح رؤيتها، وقد أكد دعمه للحوار السوداني ـ السوداني، كما أكد دعمه واعترافه بشرعية مؤسسات الدولة التي يقودها مجلس السيادة ومجلس الوزراء.

نحن نريد أن يكون هناك دعم إقليمي ودولي للحوار، لكن من دون أن يتحول هذا الدعم إلى وصاية على الحوار أو تحديد لمساره. الحوار في النهاية يجب أن يكون سودانياً، وأن تتفق القوى السودانية على أطرافه وأجندته ومخرجاته.

*ما الأولوية الآن: توسيع دائرة القوى المشاركة أم الاتفاق أولاً على مضمون الحوار؟

-الاثنان مهمان، لكن توسيع دائرة المشاركة يجب ألا يكون شكلياً. نحتاج إلى قوى لديها استعداد حقيقي لمناقشة مستقبل السودان والتوافق حول مشروع وطني.

القضية ليست جمع أكبر عدد ممكن من الأسماء، وإنما الوصول إلى توافق يمكن البناء عليه. وإذا نجحنا في ذلك، يمكن أن ننتقل من مرحلة المبادرات والوثائق إلى مرحلة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

*هل تعتقد أن القوى السياسية مستعدة فعلاً للتنازل عن حساباتها الخاصة لصالح مشروع وطني جامع؟

-هذا هو التحدي الحقيقي. ما زالت هناك قوى تنظر إلى مصالحها التنظيمية ومواقعها قبل النظر إلى القضية الوطنية.

نحن بحاجة إلى تجاوز هذه العقلية. السودان أكبر من أي حزب أو تحالف أو شخص، وأي مشروع لا يقوم على التوافق الواسع وعلى وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الخاصة لن يكتب له الاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار ذات صلة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist