مبادرة «منصة التأسيس» تطرح نهجاً جديداً للتحالفات السياسية وتستهدف معالجة التشرذم الحزبي
حوار: انتصار فضل الله
في السودان، لم تعد أزمة الأحزاب السياسية مجرد خلافات حول البرامج أو تنافس على المواقع، بل تحولت إلى واحدة من أبرز معضلات استعادة الحياة المدنية في بلد أنهكته الحرب والانقسامات.
وبين دعوات إصلاح قانون الأحزاب ومراجعة طبيعة التحالفات، يطرح الحزب الديمقراطي الليبرالي مبادرة «منصة التأسيس الوطنية»، برؤية تسعى إلى تغيير قواعد الممارسة السياسية، ونقلها من التكتلات القائمة على الهياكل والانتماءات الأيديولوجية إلى التوافق حول المشروعات الوطنية.
القيادية بالحزب ميادة سوار الذهب، في حوارها مع «نبأ السودان»، تشرح خلفيات المبادرة وما تقترحه لإعادة تنظيم العملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية، وتضع مسألة التشرذم الحزبي في سياق أوسع يتجاوز عدد الأحزاب إلى طبيعة دورها وقدرتها على إنتاج مشروع مشترك.
وتدافع عن ضرورة إصلاح الحياة الحزبية بالتوازي مع الحرب، معتبرة أن المعركة لم تعد عسكرية فحسب، بل أصبحت سياسية ودبلوماسية أيضاً.
كما تتحدث عن التمويل الخارجي للأحزاب، وحدود التعددية السياسية، وفرص تحويل المبادرة إلى إطار وطني جامع.
نص الحوار
*ما الفكرة التي تقوم عليها مبادرة «منصة التأسيس»
-تقوم المبادرة على إرساء نهج جديد للممارسة السياسية، من خلال الانتقال بالتحالفات من الإطار التنظيمي والفئوي إلى فضاء الرؤى والبرامج والمشروعات المشتركة التي يمكن أن توحد الصف والكلمة.
الفكرة أشبه بالتصويت على أساس المشروع المطروح، بحيث يصبح التوافق حول الرؤى والبرامج أساساً للعمل المشترك، وليس الانتماء إلى تنظيم أو تكتل بعينه. ونطمح إلى أن يسهم هذا النهج مستقبلاً في تطوير عقلية الناخب السوداني، ليكون اختياره قائماً على المشروع السياسي وما يطرحه من حلول، بعيداً عن القبلية والولاءات والأيديولوجيا.
*ما الذي يميز المنصة عن مبادرات تعديل قانون الأحزاب؟
-هي تصور يتجاوز المقترحات التشريعية إلى إعادة تنظيم العملية السياسية. فالمنصة إطار مدني سياسي مستقل يستهدف بناء توافق وطني عملي يقود إلى استعادة الدولة وتحقيق الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
وتنطلق من قناعة بأن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة صراع، وإنما أزمة غياب مركز سياسي مدني قادر على إنتاج التوافق والعمل على تنفيذه. لذلك تسعى إلى سد هذا الفراغ عبر تشكيل نواة مدنية فاعلة من القوى السياسية والمجتمعية المؤثرة، تقود حواراً وطنياً منظماً عبر مسارات سياسية ودستورية واقتصادية ومجتمعية، وصولاً إلى مخرجات واضحة وقابلة للتنفيذ.
*كيف ستعمل المنصة على تحويل التوافق إلى نتائج؟
-تعتمد على إدارة حوار منظم وفق جدول زمني ومخرجات محددة، وإنتاج القرارات عبر مسار مؤسسي واضح، إلى جانب خلق ضغط سياسي وإعلامي لدعم التوافق، ومتابعة تنفيذ المخرجات من خلال آليات رقابية داخلية.
كما تتبنى منهجاً تدريجياً في توسيع المشاركة، يبدأ بالقوى الفاعلة ثم يمتد لاحقاً لضمان الشمول دون تعطيل العملية. والهدف هو بناء توافق وطني مستدام، ودعم قيام مؤسسات انتقالية قائمة على الكفاءة، وتهيئة البلاد لانتخابات حرة ونزيهة.
*كيف تنتقل المبادرة من الرؤية إلى التوافق السياسي؟
-تتبناها جميع الأطراف التي تتوافق حول رؤيتها، فالمنصة مطروحة أمام جميع المكونات الوطنية دون استثناء. وقد ناقشت الورشة أهمية وضع إطار قانوني ينظم شكل التحالفات السياسية، وشددت على ضرورة التوافق على ميثاق وطني بين القوى السياسية، وهو ما يتسق مع الفكرة الأساسية للمنصة القائمة على العمل المشترك والتوافق حول المبادئ والمشروعات الوطنية.
*هل تستهدف المبادرة تقليص عدد الأحزاب أم معالجة الانشقاقات؟
-المبادرة تستهدف معالجة حالة التشرذم والانشقاقات، ولكن من خلال مدخل مختلف لا يركز على الهياكل التنظيمية بقدر ما يركز على التوافق حول رؤية أو مشروع وطني مشترك.
فالقضية ليست مجرد أعداد الأحزاب، وإنما طبيعة الدور الذي تؤديه، ومدى قدرتها على الالتقاء حول مشروع يخدم البلاد.
*كيف يمكن تجاوز الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي؟
-نريد تجاوز الاستقطاب الأيديولوجي والطائفي، وإرساء نهج جديد في الممارسة الحزبية يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والأيديولوجية الضيقة.
وهذا يتطلب الانتقال من منطق التنافس على الهياكل والانتماءات إلى العمل على المشتركات الوطنية.
*برايك ما الضمانات التي تحمي الأحزاب الصغيرة من الإقصاء؟
-التعددية السياسية مظهر أساسي من مظاهر الديمقراطية، وينبغي أن تُمارس وفق معايير واضحة للبناء الحزبي المسؤول، وبما يتسق مع متطلبات المرحلة الراهنة.
*وهل تؤيدون وضع إطار قانوني مرن لتنظيم التعددية؟
-نحن بحاجة إلى إطار قانوني مرن وقابل للتطور في المراحل المقبلة، يضمن وجود حياة حزبية مسؤولة ويحافظ على التعددية السياسية، وفي الوقت نفسه يستجيب لتطلعات الشعب السوداني ومتطلبات بناء الدولة.
*ما موقفكم من الرقابة على تمويل الأحزاب، خصوصاً التمويل الخارجي؟
-يجب أن تخضع الأحزاب السياسية لرقابة صارمة، وأن تتضمن القوانين نصوصاً واضحة ومحددة تنظم التمويل الخارجي، بما يضمن الشفافية والوضوح في مصادر تمويل الأحزاب وأنشطتها.
*هل ينبغي تأجيل إصلاح الأحزاب إلى ما بعد وقف الحرب؟
-إصلاح الأحزاب السياسية يمثل مدخلاً لاستعادة الحياة السياسية. والحرب ليست فقط ما يجري في الميدان، فلها أوجه متعددة، ولذلك يجب أن تتكامل الأدوار وتسير بالتوازي مع العمليات الميدانية.
*أين تكمن أولوية المعركة السياسية في هذه المرحلة؟
-المعركة الآن سياسية ودبلوماسية في المقام الأول، ولا يمكن فصلها عن ضرورة إصلاح البيئة السياسية وإعادة بناء القوى المدنية. ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح الأحزاب ليس قضية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بل جزء من معالجة الأزمة السودانية.
*هل حُدد جدول زمني للانتقال بالمبادرة إلى التنفيذ؟
-منصة التأسيس إطار مرن قابل للتطوير والتجديد وفقاً لما تتطلبه المرحلة، بما يسمح بمواكبة المتغيرات واحتياجات العملية السياسية.
*ما القوى التي أبدت توافقها مع المبادرة حتى الآن؟
-توافق على الفكرة عدد من الأحزاب والدبلوماسيين والقانونيين والأكاديميين، لكنها تظل مطروحة أمام جميع المكونات الوطنية للمشاركة والتوافق حول رؤيتها.


















