من العقوبة إلى التأهيل.. سجن النساء بأم درمان يراهن على «بداية جديدة» للنزيلات

تقرير :  انتصار فضل الله

في سجن النساء بأم درمان، لا تتوقف الحياة عند حدود العقوبة. خلف الأسوار، تحاول إدارة السجن ووزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم تحويل فترة الاحتجاز إلى مرحلة لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني، بما يساعد النزيلات على استعادة قدرتهن على الاندماج في المجتمع بعد انتهاء فترات محكوميتهن.

هذا التوجه برز خلال زيارة أجراها المدير العام لوزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم والوزير المكلف، صديق حسن فريني، برفقة مدير إدارة سجون الولاية اللواء شرطة تاج السر بابكر سر الختم، إلى سجن النساء بأم درمان، بالتزامن مع تدشين برنامج للدعم النفسي والاجتماعي للنزيلات تحت شعار «نحو التعافي.. وبداية جديدة».

ويستهدف البرنامج التعامل مع الاحتياجات النفسية والاجتماعية للنزيلات إلى جانب تقديم الدعم المباشر، من خلال دراسة أوضاعهن الاجتماعية والنفسية، وتنظيم عيادات متخصصة ومحاضرات توعوية وبرامج ترفيهية، فضلاً عن أنشطة تستهدف تهيئة النزيلات للعودة إلى المجتمع.

ويقول فريني إن الوزارة تنظر إلى نزيلات السجون باعتبارهن جزءاً من المجتمع، وأن رعايتهن لا ينبغي أن تتوقف عند تقديم الخدمات الأساسية خلال فترة العقوبة، وإنما تمتد إلى توفير مقومات تساعدهن على العودة بصورة إيجابية بعد انتهاء المحكومية.

ولا يقتصر مفهوم التأهيل داخل السجن على الجانب النفسي. فالجولة التي رافقت المسؤولين أظهرت وجود عدد من الأنشطة المهنية والإنتاجية التي تستهدف إكساب النزيلات مهارات يمكن الاستفادة منها خارج المؤسسة العقابية. وشملت هذه الأنشطة مشغل الخياطة والتطريز، ومصنع إنتاج الصابون، إلى جانب ورش لتعليم الطهي وإعداد المعجنات ومشروعات إنتاجية أخرى.

وتشمل منظومة التأهيل أيضاً جوانب دينية وثقافية، من بينها مكتبة عامة للقراءة والاطلاع ومسجد تقام فيه حلقات للذكر وتحفيظ القرآن الكريم، بما يعكس اتجاهاً نحو الجمع بين التأهيل المهني والدعم النفسي والاجتماعي والأنشطة الثقافية والدينية.

وفي الجانب الصحي، يضم السجن مركزاً صحياً متكاملاً يقدم خدمات وعيادات تخصصية، بينها عيادة للعيون، إلى جانب عنبر للإقامة وغرفة للولادة. كما توجد حضانة وروضة للأطفال المصاحبين لأمهاتهم، في محاولة لتوفير احتياجات الأمهات والنزيلات من ذوات الأطفال داخل بيئة الاحتجاز.

ويضع مدير إدارة سجون بالولاية ، اللواء تاج السر بابكر سر الختم، هذه البرامج في إطار مفهوم حديث للمؤسسات العقابية، يقوم على الإصلاح والتهذيب والتأهيل بدلاً من الاقتصار على العقوبة.

وتقول العقيد شرطة حياة جبريل، مديرة سجن النساء بأم درمان، إن إدارة السجن مستمرة في تطبيق الفلسفة الإصلاحية التي تستهدف البناء النفسي والاجتماعي للنزيلات، إلى جانب توفير بيئة تساعدهن على الاستفادة من فترة وجودهن داخل المؤسسة.

وتكتسب برامج الدعم النفسي والاجتماعي أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه النزيلات أثناء الاحتجاز وبعد الإفراج، إذ إن انتهاء العقوبة لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها الاجتماعية والنفسية، كما أن القدرة على العودة إلى سوق العمل والحياة الأسرية والمجتمع تتطلب في كثير من الحالات مهارات ودعماً يتجاوزان حدود الرعاية داخل السجن.

وبينما تمثل البرامج المهنية والصحية والتعليمية خطوة في اتجاه إعادة التأهيل، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى استمرارية الدعم، وقدرة النزيلات على استخدام المهارات المكتسبة بعد الإفراج، فضلاً عن استعداد المجتمع لاستقبالهن بعيداً عن الوصمة المرتبطة بالسجن.

وفي هذا السياق، تبدو عبارة «بداية جديدة» التي اختيرت شعاراً للبرنامج أكثر من مجرد عنوان؛ فهي تختبر قدرة المؤسسة العقابية على أن تكون مرحلة انتقالية نحو حياة مختلفة، لا مجرد مكان لقضاء مدة العقوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار ذات صلة

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist