تقرير : انتصار فضل الله
لا يبدأ اختبار الحوار السوداني عند الطاولة، وإنما قبل الوصول إليها؛ عند اللحظة التي تفتح فيها لجنة التهيئة أبوابها للقوى المتحفظة، وتستمع إلى شروط المختلفين ومخاوف المترددين، بحثاً عن مساحة مشتركة يمكن أن تحمل حواراً أوسع من الاصطفافات السياسية القائمة.
من هنا، تدخل لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني مرحلة جديدة، عنوانها التواصل المباشر مع القوى السياسية والمكونات المجتمعية والأهلية والدينية، في محاولة لتحويل فكرة الحوار من إطار تنظيمي إلى مسار قابل للاختبار على أرض الواقع. وتأتي الخطوة بالتوازي مع تحركات إقليمية ودولية تقول اللجنة إنها تستهدف دعم العملية وتيسيرها.
وفي مؤتمر صحفي بالخرطوم، أعلن الناطق الرسمي باسم اللجنة، المهندس عثمان ميرغني، بدء توجيه الدعوات إلى مختلف القوى والمكونات السياسية دون استثناء، تمهيداً لسلسلة من اللقاءات والمشاورات خلال الفترة المقبلة. وكشف أن أول لقاء رسمي في الجولة سيكون مع الكتلة الديمقراطية، تعقبه لقاءات مع بقية القوى السياسية، بهدف الاستماع إلى مواقفها ورؤاها وبحث القضايا المتصلة بتهيئة الحوار.
ولا تتعامل اللجنة مع هذه اللقاءات باعتبارها محطة لإعلان المواقف فقط؛ إذ تقول إن مخرجات المشاورات ستُجمع وتُلخص في منصة موحدة يمكن البناء عليها في الإعداد لمؤتمر الحوار السوداني ـ السوداني.
وحدد ميرغني سقفاً زمنياً للتحرك، معرباً عن أمل اللجنة في استكمال مهمتها خلال فترة محدودة والوصول إلى عقد مؤتمر الحوار خلال العام الحالي، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة بعد انتهاء مهمة لجنة التهيئة.
وخارجياً، تتحرك اللجنة على خط موازٍ؛ إذ كشف ميرغني عن اجتماع مرتقب مع مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي خارج السودان، إلى جانب اتصالات مع منظمات ودول أخرى. وتقدم اللجنة هذه الاتصالات باعتبارها أدوات للدعم والتيسير، مع إبقاء صناعة الحوار وقراراته في الإطار السوداني.
وفي قلب هذا التحرك، وضعت اللجنة مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تشكل إطاراً أولياً للنقاش. وطرح عضوها نبيل أديب أربعة مبادئ وطنية، قال إنها مساهمة قابلة للنقاش وليست صيغة ملزمة للمتحاورين: وحدة السودان ورفض تقسيمه، والحكم اللامركزي، والهوية السودانية الجامعة، والنظام الديمقراطي.
إتخاذ قرارات
كما طُرح مبدأ التوافق في اتخاذ القرارات، مع إمكانية اللجوء إلى أغلبية مرتفعة إذا تعذر التوافق، على أن تظل التفاصيل النهائية من اختصاص المتحاورين.
لكن طرح المبادئ يفتح بدوره سؤالاً سياسياً سابقاً على المؤتمر: هل تستطيع اللجنة بناء أرضية مشتركة حول هذه القضايا قبل جمع الأطراف حول الطاولة، أم أن بعض المبادئ نفسها سيصبح جزءاً من معركة التفاوض والاختلاف؟
ذلك هو السياق الذي تدخل فيه الجولة الثانية؛ فالمهمة لم تعد مجرد ترتيب هيكل اللجنة أو إعلان نوايا الحوار، وإنما اختبار قدرة المبادرة على الوصول إلى المختلفين، وفهم شروطهم، وتحويل تعدد المواقف إلى مادة لحوار يمكن أن يبدأ من نقاط معلومة، لا من عموميات جديدة.
وفي هذا الاتجاه، انتقلت لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني إلى مرحلة جديدة من عملها، تركز على التواصل المباشر مع المكونات السياسية والمجتمعية والأهلية والدينية، تمهيداً لترتيبات حوار شامل، وفقاً لما كشفه القانوني وعضو اللجنة نبيل أديب.
إعادة ترتيب
وأوضح أديب لـ«نبأ السودان» أن المرحلة الأولى انصرفت إلى إعادة ترتيب أوضاع اللجنة وبناء هيكلتها وتوزيع الاختصاصات، بما يسمح بتعدد التخصصات وعدم انشغال جميع الأعضاء بمسار واحد. أما المرحلة الثانية، فتتجه إلى لقاء المكونات المختلفة للشعب السوداني، باعتبارها الأطراف التي يفترض أن تشارك لاحقاً في الحوار.
ولا ترى اللجنة، بحسب أديب، أن مهمتها تتمثل في «اختبار» المكونات أو منحها شهادات أهلية للمشاركة، بقدر ما تتعلق بفتح قنوات التواصل معها، ومناقشة كيفية عقد الحوار وتوقيته ومكانه والتفاصيل التنظيمية المرتبطة به. ويظل مكان الحوار، من حيث المبدأ، داخل السودان، بينما لم يُحسم بعد الموقع المحدد لانعقاده.
وتواجه اللجنة في هذه المرحلة واقعاً أكثر تعقيداً؛ فبين القوى التي ستلتقيها مكونات تتحفظ على الحوار أو ترفض المشاركة فيه. ويقول أديب إن اللجنة ستسعى إلى إقناع هذه الجهات بالمشاركة، مع التأكيد على أن القرار النهائي يظل بيد كل مكوّن.
ويرى أديب أن الحوار والنقاش يمثلان جوهر العمل السياسي، معتبراً أن رفض الحوار ليس المسار الطبيعي للعمل السياسي، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح اللجنة سلطة فرض المشاركة على أي طرف.
من اللقاء إلى الاختبار
لكن الانتقال إلى لقاء القوى والمكونات يضع المبادرة أمام سؤال مختلف: هل تتحول الجولة الثانية إلى عملية جمع للموافقات، أم إلى مساحة لاكتشاف المواقف الحقيقية وشروط المشاركة ومناطق الخلاف؟
المحلل السياسي إبراهيم شقلاوي يرى أن الحوار دخل «مرحلة جديدة» ذات أهمية، لكنه لا يعتبرها مرحلة تفاوض بعد، بل مرحلة تحتاج إلى مقاربات واختبار للجدية السياسية.
ويقول لـ«نبأ السودان» إن الخطوة المقبلة تضع اللجنة أمام «امتحان الواقع»، خصوصاً مع انتقالها من التهيئة إلى مقابلة القوى السياسية والمكونات المختلفة. والسؤال، وفق قراءته، هو مدى قدرة هذه القوى على تجاوز حساباتها الخاصة والانخراط في مسار وطني جامع.
ولا يرى شقلاوي أن قيمة اللقاءات المقبلة تكمن في عدد الجهات التي ستعلن موافقتها على الحوار، وإنما في ما يمكن أن تكشفه هذه اللقاءات من مواقف وشروط ونقاط خلاف. وحتى القوى التي تتحفظ على المشاركة أو لا تعلن موافقة كاملة، يمكن أن تكون، في تقديره، جزءاً من صناعة الحوار، لأن استبعاد المختلفين منذ البداية قد يفقد العملية جزءاً من معناها ويعيد إنتاج أسباب الأزمة.
وهنا تتقاطع القراءة مع ما طرحه أديب بشأن شمول الحوار؛ فالمقصود، وفق رؤية اللجنة، ليس جمع الأحزاب والقوى السياسية وحدها، وإنما توسيع دائرة المشاركة لتشمل المكونات الأهلية والمجتمعية والدينية وغيرها.
ما وراء الطاولة
غير أن توسيع دائرة المشاركة لا يحسم وحده السؤال الأصعب: ماذا سينتج عن هذه الاتصالات؟
بالنسبة لشقلاوي، لا ينبغي أن يقاس نجاح المرحلة المقبلة بعدد القوى التي تصل إلى طاولة الحوار، وإنما بما تستطيع تلك القوى الاتفاق عليه. ولذلك يدعو إلى الانتقال من العناوين العامة إلى تحديد نقاط الالتقاء، وتوثيق مواضع الاختلاف، وترك القضايا الخلافية لمسار سياسي واضح، بدلاً من إخفائها خلف عنوان «التوافق».
وتمنح هذه النقطة الجولة الثانية وظيفة تتجاوز الاتصال البروتوكولي؛ فاللقاءات، وفق تصور اللجنة، مغلقة من حيث انعقادها، لكنها ليست مغلقة من حيث نتائجها ومخرجاتها. وما يُناقش خلالها يفترض أن يصب في ترتيبات الحوار نفسه.
وبذلك يصبح نجاح الجولة مرتبطاً بقدرتها على تحويل اللقاءات إلى معرفة دقيقة بمواقف القوى والمجتمع، لا مجرد قائمة جديدة بأسماء المشاركين.
ويختصر شقلاوي جوهر المرحلة المقبلة في ضرورة أن تتعامل اللجنة مع القوى السياسية والمجتمعية باعتبارها شركاء في صناعة المسار، لا جمهوراً مطلوباً منه تأييده.
ووفقا لشقلاوي التحدي، في النهاية، لا يتمثل فقط في جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما في جعل الحوار أداة قادرة على تغيير طريقة إدارة الخلاف السوداني، من إدارة المواقف المتباعدة إلى البحث عن مساحات مشتركة، مع إبقاء نقاط النزاع واضحة ومطروحة على مسار سياسي قابل للمعالجة.


















