فرقة «البالمبو» تقدم عرضاً فنياً والأغنيات الوطنية تستحضر قضايا الوطن
مشاركون يتحدثون عن الحكومة الموازية ومخططات تقسيم السودان والتغيير الديموغرافي
الخرطوم: انتصار فضل الله
بين الأغنية الوطنية والعرض الفني والكلمات التي استحضرت مأساة الفاشر، احتضنت العاصمة الخرطوم، ظهر الاثنين، اليوم الثقافي المفتوح «فرح الميارم»، في فعالية جمعت بين الفن والرسائل الوطنية، واستعادت جانباً من حكاية المدينة التي ظلت في قلب الحرب وتداعياتها الإنسانية.
وأقيمت الفعالية بمبادرة من مركز سهام سالم للخدمات الصحفية، وبرعاية حرم وزير الخارجية والتعاون الدولي، السيدة إحسان حسين محمد باكر، وبحضور حكومة إقليم دارفور، وتشريف عدد من الشخصيات العامة والضيوف، من بينهم اللواء أيوب عبد الرحيم، مدير شرطة المرور بالولاية
«الفاشر عايدة»
لم تكتفِ الفعالية باستعادة مشاهد الحرب، بل حاولت تقديم ذاكرة الفاشر من زاوية أخرى؛ زاوية النساء اللواتي تحملن جانباً ثقيلاً من تبعات النزاع، من النزوح والفقد والخوف إلى مسؤوليات الحفاظ على الأسرة والمجتمع في ظروف بالغة القسوة.
ورُفع خلال اللقاء شعار «الفاشر عايدة»، في رسالة عكست التمسك بالمدينة وأهلها، وتحويل الذكرى من مجرد استعادة للألم إلى تعبير عن الأمل في عودة الحياة إليها.
رسائل تتجاوز الفن
ورغم الطابع الثقافي للفعالية، حمل البرنامج رسائل سياسية وأمنية بشأن الحرب وتداعياتها، إذ تحدث المشاركون عن مخططات قالوا إنها استهدفت السودان، وربطوا بين ما جرى في الفاشر ومشروع أوسع لإعادة تشكيل المشهد السياسي والجغرافي في البلاد.
وفي هذا السياق، قال المتحدثون إن إعلان الحكومة الموازية تأخر لأكثر من عشرة أشهر، وفقاً لما طُرح في الفعالية، أملاً في إعلانها من الفاشر، معتبرين أن صمود المدينة حال دون اكتمال هذا المشروع.
كما وصف المشاركون الفاشر بأنها «مقبرة الأوهام»، في إشارة إلى تحطم مشروع السيطرة عليها وإقامة سلطة موازية، وقالوا إن من يزعمون السيطرة على المدينة يفتقرون إلى مقومات إدارة الحياة المدنية.
مخطط يتجاوز حدود الحرب
وذهبت المداخلات إلى أبعد من حدود المعارك، إذ تحدث مشاركون عن دور جهات خارجية في مخطط يتجاوز الصراع بين طرفي الحرب، وقالوا إن الهدف، بحسب تقديرهم، كان تعميم نموذج الفاشر على مدن سودانية أخرى، وصولاً إلى تقسيم البلاد إلى أربعة أقاليم.
كما تناولت الفعالية ما وصفه المشاركون بمخطط للتغيير الديموغرافي، عبر دفع السكان إلى خيارات قاسية بين الموت أو النزوح أو العيش في ظروف مهينة، مع جلب مقاتلين ومرتزقة من مناطق مختلفة في أفريقيا والشرق الأوسط.
واعتبر المتحدثون أن صمود الجيش والمواطنين أسهم في إحباط هذا المسار، مؤكدين في الوقت نفسه أن الحرب، رغم كلفتها الإنسانية، أوجدت قدراً من التقارب في الوجدان السوداني، يمكن أن يشكل أرضية لبناء دولة أكثر استقراراً في المستقبل.
الفن يستعيد الحياة
وبعيداً عن ثقل الرسائل السياسية، منح البرنامج مساحة واسعة للفن، في محاولة لاستعادة أجواء الحياة التي تراجعت تحت وطأة الحرب.
وقدمت فرقة «البالمبو» عرضاً فنياً نال استحسان الحضور، فيما تخللت البرنامج فقرات غنائية تضمنت عدداً من الأغنيات الوطنية، وسط تفاعل الضيوف والشخصيات المشاركة.
وبدا المزج بين الكلمات والفنون مقصوداً في تقديم الفاشر خارج صورة الحرب وحدها؛ مدينة لها ذاكرة وثقافة ونساء ورجال وحياة اجتماعية، وليست مجرد عنوان لمأساة عسكرية.
ذكرى تبحث عن المستقبل
في نهاية اليوم الثقافي، لم تكن الرسالة الأساسية مرتبطة باستعادة المأساة بقدر ما اتجهت نحو كيفية تحويل الذاكرة إلى قوة تدفع باتجاه التماسك وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وهكذا خرج «فرح الميارم» من إطار المناسبة الاحتفالية إلى مساحة جمعت الذاكرة بالفن والرسائل الوطنية، فيما بقيت عبارة «الفاشر عايدة» تختصر المزاج العام للفعالية: مدينة عاشت الحرب، ونساء دفعن ثمناً باهظاً، وذاكرة لا تريد أن تُنسى، وأمل في أن تعود الحياة إلى مكان لم تغادره الحكاية.


















