تقرير – انتصار فضل الله – نبأ السودان
لم تعد عودة الصحافة الورقية في السودان مرتبطة فقط بإعادة تشغيل المطابع المتوقفة، وإنما أصبحت رهناً بمعادلة اقتصادية أكثر تعقيداً: كلفة إنتاج تتصاعد، وإيرادات تتراجع، وسوق إعلان يبحث عن بدائل رقمية، وشبكات توزيع أنهكتها الحرب. وبينما تسعى صناعة الطباعة إلى استعادة نشاطها، يبرز السؤال حول ما إذا كان بالإمكان بناء نموذج اقتصادي جديد يجعل الصحيفة المطبوعة قادرة على البقاء في سوق ما بعد الحرب.
وبحث ملتقى تشاوري نظمته شركة الجاسر للطباعة والنشر وصحيفة «مصادر» حول قضايا الصحافة الورقية، تحت شعار «الصحافة الورقية.. العودة الممكنة»، سبل إعادة تنشيط صناعة الطباعة والنشر واستعادة الصحافة الورقية لنشاطها، بمشاركة عاملين في مجالات الصحافة والطباعة والإعلام.
فرص للعودة
وأكد الخبير الإعلامي د. إبراهيم الصديق أن الفرص لا تزال متاحة لعودة الصحافة الورقية من جديد إذا توفرت وسائلها، وقال الصديق لدى حديثه في المنتدى التشاوري إن الصحافة الورقية «لابد منها»، وإن الصحف الإلكترونية لا تحل محلها مهما حدث.
وأضاف أن ظهور التلفزيون لم يُلغِ الإذاعة، كما أن ظهور الصحافة لم يُلغِ الوسائل السابقة، مشيراً إلى أن تطور وسيلة إعلامية لا يعني بالضرورة اختفاء الوسائل الأخرى.
وأمّن الصديق على ضرورة أن تطور الصحافة وكليات الإعلام وسائلها وأدواتها ومناهجها، بعد حدوث ثورة التدفق الهائل في الإعلام، بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها صناعة الإعلام.
وقال د. الصديق إن الذكاء الاصطناعي، الذي «اختطف المجهود البشري وجرد الخبر من الأحاسيس»، يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه عودة الصحافة الورقية، مشيراً إلى أن وجود الصحف يتيح وجوداً للحكومة في المعلومات، ويمكن أن يشجع على عودة المطابع وخلق صحافة شاملة عبر شراكات ذكية بين الورقي والرقمي.
تراجع سابق لثورة المعلومات
من جانبه، قال أبو عبيدة عبدالله، في تعقيبه على ورقة الصديق، إن الورقة المقدمة لامست رؤوس كثير من الموضوعات، لافتاً إلى أن الصحافة الورقية تراجعت حتى قبل ثورة المعلومات.
ورأى أن الصحف الورقية يمكن أن تعود عبر الاستفادة من ثورة المعلومات والشراكات الذكية، مؤكداً أنها تتميز بالاهتمام بالمصادر.
وفي السياق، استعاد صلاح حبيب ذكريات فترة الإنقاذ الأولى، وقال إن التوزيع كان جيداً وفي بيئة مهيأة، منتقداً المواقع الإلكترونية الحالية لاحتوائها على الكثير من المعلومات المغلوطة، وبشّر بقرب صدور صحيفة «الصحافة».
التوزيع ومدخلات الإنتاج
أما عوض محمد علي الفكي، فاستعرض ورقة التوزيع، مؤكداً أن نسبة القراءة في السودان كانت عالية، وأن بعض الصحف كانت تصدر ثلاث نسخ يومية تبعاً للأحداث.
وطالب بإعفاءات لمدخلات الإنتاج لتقليل تكلفة الطباعة، مؤكداً أن الصحافة الورقية لا يزال مكانها موجوداً لدى القراء، مع استحداث أماكن جديدة للتوزيع.
الإعلان وفرص استعادة السوق
وقال مدير التسويق والإعلان بعدد من الصحف الورقية، جمال الكناني، إن الصحف الورقية تتميز بالمصداقية والوصول إلى مؤسسات الدولة ورجال الأعمال.
وأكد إمكانية حصول الصحف الورقية على الإعلانات حال عودتها للصدور، مشيراً إلى أن استعادة الصحف لنشاطها يمكن أن تفتح المجال أمام عودة سوق الإعلان والاستفادة من علاقاتها مع المؤسسات والقطاع الخاص.
ضغوط الإنتاج والطباعة
وتناولت ورقة عمل بعنوان «مستقبل طباعة الصحف في السودان: التحديات والفرص واستشراف الطريق»، أعدها المهندس خضر علي العامر، ارتفاع أسعار الورق والأحبار ومواد الطباعة، وتقلبات أسعار الصرف، إلى جانب ارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود والصيانة والنقل، وتراجع القوة الشرائية والإيرادات الإعلانية.
وأشارت الورقة إلى أن الحرب فاقمت أزمة القطاع، بعد تعرض عدد من المطابع والمنشآت العاملة في صناعة الصحافة لأضرار كبيرة، ما أدى إلى تراجع الطاقة الإنتاجية وصعوبة استعادة عمليات الطباعة بصورة منتظمة، في وقت تواجه فيه الصحف منافسة متزايدة من المنصات الرقمية التي تتميز بسرعة نشر الأخبار وانخفاض كلفة الوصول إلى الجمهور.
وحددت الورقة التحديات التقنية في تقادم معدات الطباعة وارتفاع كلفة قطع الغيار ومحدودية استخدام أنظمة الإنتاج الرقمية الحديثة، فيما تمثلت أبرز التحديات الإعلامية في المنافسة القوية من الإعلام الإلكتروني، وسرعة تداول الأخبار عبر المنصات الرقمية، وتغير عادات القراءة، خاصة لدى الأجيال الجديدة.
وفي الجانب اللوجستي، لفتت الورقة إلى صعوبة توزيع الصحف إلى الولايات، وارتفاع تكاليف النقل وضعف شبكات التوزيع، الأمر الذي يضاعف كلفة وصول النسخة المطبوعة إلى القارئ ويحد من انتشارها
الإعلان بعد الحرب
ورصدت ورقة بعنوان «الإعلان في الصحف الورقية في السودان بعد الحرب.. الواقع، الفرص، الأسعار، وآفاق النجاح»، أعدها خبير الإعلان جمال الكناني، فرص استعادة الصحف الورقية جزءاً من سوق الإعلان خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، رغم المنافسة المتزايدة من المنصات الرقمية وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع.
وأشارت الورقة إلى أن الحرب أدت إلى توقف عدد كبير من الصحف وتعطل المطابع وتراجع التوزيع، لكنها توقعت عودة الطلب على الإعلانات التجارية والرسمية والمناقصات والوظائف والخدمات مع استعادة النشاط الاقتصادي، خاصة في المدن الرئيسية.
وقدرت الورقة، وفق افتراض صحيفة يومية يتراوح توزيعها بين 5 آلاف و15 ألف نسخة، سعر الصفحة الكاملة الملونة بين 2.5 و4 ملايين جنيه سوداني، ونصف الصفحة بين 1.3 ومليوني جنيه، فيما يتراوح سعر ربع الصفحة بين 700 ألف ومليون و100 ألف جنيه.
كما اقترحت الورقة خصومات تتراوح بين 10 و30 في المائة للعقود الأسبوعية والشهرية والربع سنوية، إلى جانب أسعار خاصة للبنوك وشركات الاتصالات والوزارات والمنظمات الدولية.
ورجحت الورقة أن تقود قطاعات البنوك والاتصالات والتأمين والمقاولات وإعادة الإعمار والجامعات والمستشفيات والمنظمات الدولية الطلب على الإعلان الصحفي خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع عودة النشاط التجاري والاستثماري.
وقدمت الورقة ثلاث باقات إعلانية مقترحة، تبدأ من 2.5 مليون جنيه للباقة البرونزية، وتصل إلى 12–15 مليون جنيه للباقة الذهبية، مع دمج الإعلانات المطبوعة بالنشر عبر المنصات الرقمية والتغطية الإعلامية وفق السياسة التحريرية.
وأكد الكناني أن نجاح الإعلان الصحفي بعد الحرب يتطلب تطوير نموذج العمل التقليدي، من خلال الجمع بين النسخة الورقية والمنصات الرقمية، واستخدام رموز QR، وتقديم باقات مرنة، إلى جانب تحسين جودة الطباعة وإعادة بناء شبكات التوزيع.
وقدرت الورقة إمكانية تحقيق الصحيفة إيرادات إعلانية يومية تتراوح بين 7 و10 ملايين جنيه، في حال بيع مزيج محدد من الإعلانات، بما يعادل نحو 210 إلى 300 مليون جنيه شهرياً قبل خصم تكاليف التشغيل والطباعة والتوزيع.
نحو نموذج جديد
ودعا الملتقى إلى إعفاء الورق والأحبار ومواد الطباعة المساعدة من الرسوم الجمركية، وإنشاء صندوق لدعم تطوير الصحافة والطباعة، وتشجيع الاستثمار في تحديث المطابع، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحرير والإخراج والتخطيط للإنتاج.
وأوصى المشاركون بإعداد استراتيجية وطنية لتطوير صناعة الصحافة والطباعة، وتقديم حوافز ضريبية وجمركية للقطاع، وتعزيز التكامل بين الصحافة المطبوعة والإعلام الرقمي، فضلاً عن دعم التدريب والتأهيل المهني وتطوير التشريعات.
وأكدت الأوراق والمداخلات أن عودة الصحافة الورقية لا ينبغي أن تقوم على استعادة النموذج التقليدي وحده، وإنما على إعادة هيكلة صناعة الطباعة وربطها بالتحول الرقمي، بما يخفض كلفة الإنتاج ويوسع مصادر الإيرادات، ويحافظ على الصحيفة المطبوعة كمنتج إعلامي قادر على الاستمرار في السوق السوداني.
















