الخرطوم – انتصار فضل الله
في بلدٍ تتسع فيه تداعيات الحرب وتتراجع فيه فرص التسوية، يطرح حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، الحوار السوداني–السوداني بوصفه مدخلاً لمعالجة الأزمة، لا مجرد مسار سياسي موازٍ للمبادرات الإقليمية والدولية. غير أن الدعوة إلى حوار وطني شامل تضع على الطاولة أسئلة تتصل بطبيعة المشاركة، وحدود التوافق الممكن، وقدرة القوى السياسية والمجتمعية على تجاوز خلافاتها لصالح مشروع يعيد بناء الدولة.
وقال مناوي، خلال لقاء مع مجموعة من الصحفيين بمقر إقامته في الخرطوم، مساء الأحد، إن المبادرات الخارجية يمكن أن تسهم في دعم جهود الحل، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الحوار الداخلي، مشدداً على أهمية مشاركة مختلف مكونات المجتمع السوداني في تحديد مستقبل البلاد.
وأوضح أن دور الدول والمنظمات الإقليمية والدولية ينبغي أن يظل مسانداً للجهود الوطنية، في إطار يقوم على تبادل المصالح واحترام الإرادة السودانية، بعيداً عن فرض الأجندات أو الوصاية.
وفي هذا السياق، دعا إلى النظر إلى المسارات الداخلية والخارجية باعتبارها جهوداً متكاملة، لا بدائل متنافسة.
جذور الأزمة
لا يحصر مناوي الأزمة السودانية في الصراع على السلطة أو الاختلالات الاقتصادية، بل يربطها بتراكمات تاريخية ومجتمعية وبأنماط إدارة الدولة منذ الاستقلال. ومن هذا المنظور، يرى أن التسويات السياسية المحدودة، حتى عندما تنجح في وقف القتال، لا توفر بالضرورة أساساً لاستقرار طويل الأمد ما لم تتناول الأسباب التي أبقت النزاعات قائمة.
وأشار إلى أن الاتفاقيات الثنائية قد تساعد في معالجة جوانب من الأزمة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سلام مستدام، ما لم تفتح المجال أمام السودانيين للمشاركة في صياغة مستقبل دولتهم، ومناقشة القضايا التي ظلت خارج النقاش العام.
ويضع هذا الطرح مسألة شمول الحوار في صدارة التحديات؛ فالمشاركة، وفقاً لهذا التصور، لا ينبغي أن تقتصر على الأحزاب والقيادات السياسية، بل تمتد إلى المكونات المجتمعية التي تتأثر مباشرة بالحرب وتداعياتها.
المبادرات الخارجية
وفي حديثه عن التحركات الإقليمية والدولية، تطرق مناوي إلى مساري الرباعية والخماسية، مشيراً إلى أهمية التمييز بين الجهود المعنية بالترتيبات الأمنية ووقف إطلاق النار، والمبادرات التي تستهدف دفع العملية السياسية والحوار الشامل.
ويعكس هذا التمييز، في طرحه، ضرورة عدم اختزال الأزمة في اتفاق لوقف القتال، من دون معالجة القضايا السياسية والاجتماعية التي تتصل بمستقبل الحكم وبنية الدولة. لكنه يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن كيفية تنسيق هذه المسارات، وضمان ألا يؤدي تعدد المبادرات إلى تباعد الأولويات أو تضارب التفاهمات.
من الدعوة إلى التوافق
وشدد مناوي على أهمية اضطلاع الجماهير الوطنية ووسائل الإعلام بدور فاعل في دعم الحوار وتعزيز التوافق، معتبراً أن تجاوز الأزمة يتطلب توسيع المشاركة وعدم الاكتفاء بتفاهمات بين النخب.
لكن الانتقال من الدعوة إلى الحوار إلى توافق قابل للتنفيذ يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها بشأن الحرب وشكل الدولة ومستقبل السلطة، فضلاً عن توفير مساحة لمشاركة القوى التي لا تنتمي إلى مراكز القرار السياسي والعسكري.
وفي بلد أنهكت الحرب مجتمعه ومؤسساته، لا تتوقف أهمية الحوار عند جمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل تمتد إلى طبيعة النتائج التي يمكن أن يفضي إليها، ومدى استجابتها لقضايا المواطنين وأولوياتهم.
وبينما يؤكد مناوي أن المبادرات الدولية لا ينبغي أن تحل محل الإرادة الوطنية، يبقى التحدي في تحويل هذه الإرادة من شعار سياسي إلى عملية شاملة، تضع معالجة جذور الأزمة وبناء الدولة في صدارة التوافق السوداني المنشود.


















